زيارة إلى الطّبيب

العدد:
السنة:

ذهب بنا أهلنا مرّات عدّة إلى طبيب الأطفال ونحن صغارًا فقصدناه متمسّكين بأيدي أمّهاتنا للخضوع لفحص طبّي عام أو للمعالجة أو لتلقّي حقنة. ويتحوّل بكاؤنا وحزننا إلى فرح عندما يقدّم لنا الطبيب السكاكر الطيبة مع انتهاء الزيارة. إلاّ إننا، وقد أصبحنا راشدين، فقدنا تواضعنا الطفوليّ. وقد نردّد أو تتناهى إلينا عبارات مثل: "الأطبّاء لا يستمعون. الأطبّاء لا يشرحون الأمور بطريقة يفهمها المرضى ولا يشعرون بمعاناتهم". ويحسّ المريض بخيبة أمل وبخاصّة إذا كان المرض مزمنًا.

يذكر طبيبُ قلب في تقريرٍ بعنوان "عندما يُخبِر الأطبّاء المرضى ما لا يريدون سماعه" بأنّ "الدّواء الجيّدلا يأتي دائمًا بالنّتيجة الجيّدة" ولكنّنا نحبّ أن نتولّى المسؤوليّة ونشوّه تشخيص الطّبيب. ورّبما نحذف أحياناً دواءً من الوصفة الطّبيّة أو نتّبع أساليب أخرى لمعالجة أنفسنا كاللّجوء إلى طقوسٍ دينيّة ما أو غيرها. فنحن جيل الوجبات السّريعة حتى في توقّع الشّفاء العاجل. لذلك لدى كلا الطّرفين - الطّبيب والمريض - أدوار متبادلة. يحتاج المريض إلى أن يثقّف نفسه، ويحتاج الطّبيب إلى أن يشرح التّشخيص بوضوح. وبالتالي تتطلّب زيارتنا للطّبيب الّذي يعتني بصحّتنا لسنوات عدّة التّواضع والاستعداد للاستماع والطّاعة والثّقة وتسديد الرّسوم بقلبٍ شاكر.

لكن هناك "طبيبٌ" هو الخالق الّذي تجسّد في صورة إنسان، يتميّز باللّطف ويستخدم كلمات بشريّة مفهومة (خاصّةً في سفر المزامير)، وقد دفع ثمن خطايانا وشفانا روحيًّا إذ أحيا نفوسنا الهالكة.

ونحن، إلى جانب الكتاب المقدّس، نتعزّى ونتشدّد عندما نقرأ كتاب "المسيح الأعظم" للدّكتور إدكار طرابلسي. وبقراءتي الفصل السّادس منه بعنوان "المسيح الطّبيب"، شكرت الرّبّ الّذي غمرني بسلامٍ عجيب من خلال المعرفة الكتابيّة الصّحيحة. لم يعتمد الرّبّ يسوع في شفائه على أيّ نظام روحيّ أو طقوس دينيّة معيّنة أو حتّى على تلاوة الصّلوات لكنّه شفى بأمرٍ إلهيّ إذ أن لشفائه هدفاً سامياً يتمثّل في الشهادة على مجيء ملكوت الله: "فالجموع إذ علِموا تبعوه، فقبِلهم وكلّمهم عن ملكوت الله، والمحتاجون إلى الشّفاء شفاهم" (لو9: 11).

وأتساءل، فيما يحاول بعض المرضى اليوم أن يأخذوا على عاتقهم شفاءهم الجسديّ، كيف يتولّى بعض النّاس أمر خلاصهم الرّوحي إذ يزعمون بأنّهم قادرون على تخليص أنفسهم الهالكة. يُدرك المؤمن الحقيقي، عندما يُصاب بالمرض وتتقاذف حياته أمواج التّجارب والضّيقات، بأنّه لا يمكن أحد، عندما يتعلّق الأمر بالنّموّ الرّوحي، سلوك طريق الوجبات السّريعة ولا حتّى حذف دواء من "الرّوشيتّة"، لأنه سيخسر الكثير من البركات الرّوحيّة.