سلامة الغذاء

العدد:
السنة:

شكّلت الأغذية "غير المـُطابقة للمواصفات" دوماً واحدة من المشاكل التي تواجه صحة الانسان منذ القدم؛ ما يعني أن المشاكل الراهنة المتعلّقة بسلامة الغذاء ليست حديثة. وقد أكل الناس في الماضي كلّ كائن متحرّك. حُرّم عليهم بعض النباتات وأصناف الحيوانات لاعتبارات دينيّة؛ ولا يزال الناس في بعض البلدان النامية يأكلون لحوماً غريبة كلحوم الكلاب والحشرات والجرذان أو اللحم النيء وغيرها.

 

شرائع موسى لناحية سلامة الغذاء

انفردت شريعة موسى في ما يتعلّق بالغذاء في وضع قوانين تختلف اختلافاً كبيراً عن قوانين الشعوب الأخرى. وقد بُنيت هذه الشرائع على أسس متينة تتوافق مع علم التغذية الحديث. كان القصد من هذه القوانين أن تضمن الصحة الجيدة للإنسان وللطبيعة على حدّ سواء، أي أن تؤمّن توازناً صحّياً بيولوجيّاً في الطبيعة. في ذلك الوقت تمثّل السبيل الوحيد لإرغام الشعب، بسبب ضعف المعرفة البشريّة، على اعتماد نمط حياة صحّي في طرح هذه القوانين في إطار ديني جازم.

وها نحن نبدأ في زمننا الحاضر في فهم شيء عن هذه الشرائع حيث نتّجه إرادياً إلى العمل بموجب القوانين التي سنّها موسى منذ 3500 عام. ولا يرغمنا أحد على فعل ذلك، لكننا لا نزال نأكل في شكل شبه حصري لحم العجول والخراف والطيور والاسماك وأحياناً لحم الأرانب والمحار. وللبعض يبقى لحم الخنزير يشكّل الشواذ لهذه القاعدة بفعل وجود أساليب حديثة لتربيته ولطهوه لتفادي ما يحتويه من طفيليّات فتّاكة.

الصحة العامة في المجتمع البدائي

ابتعدت ظروف النظافة السائدة في المجتمع البدائي في شكل مخيف عن المعايير المقبولة، وغاب ما يعرف اليوم ب "دائرة فحص جودة الأطعمة". ولم تكن الأيدي تغسل كما أنه لم يسبق لأحد أن سمع أبداً بالأساليب الصحية لحفظ اللحوم ومنعها من التلف.

وفي ارض العبرانيّين، أوحى الله لموسى فشرّع في سفر اللاويّين قوانينَ لحماية الغذاء وموارد المياه ولتفادي تلوّث الطعام عن طريق الحيوانات الميتة أو المريضة أو من خلال الماء الملوّث. وسنّ القوانين المتعلّقة بغسل اليدين وفصل الأطعمة وتفادي تلوّث الثياب والتخلّص من النفايات وغيرها من القوانين التي تهدف إلى الحفاظ على الصحة العامة والحد من انتشار الأوبئة، وهو ما حفظ هذا الشعب خلال مئات السنين حتى وصول المسيح المنتظر.

موقف العهد الجديد من تلوث الأطعمة

 

صرّح يسوع المسيح في إنجيل متى بأنه لم يأتِ لينقض الشريعة بل ليكمّلها وإن من عمل وعلّم بهذه الوصايا يدعى عظيماً. ونرى أن المبادئ وراء هذه الوصايا هي لكل الأزمنة. وسبق أن حوّل القادة الدينيّون الناموس إلى مجموعة من القوانين المربكة وبدلاً من أن تُساعد هذه الوصايا الناس ليحبّوا الله من كل قلوبهم وأفكارهم، أدّت في الغالب إلى إساءة فهمها وتطبيقها. وتغاضى رجال الدين عن التجاوزات الأخلاقية ما دفع السيد المسيح إلى توبيخهم علناً منبّهاً بأن الفساد الأخلاقي أخطر من فساد الطعام، فليس ما يدخل الفم ينجّس الانسان، بل إن ما يخرج من الفم هو الذي ينجّس الانسان.

وعرف بطرس، في سفر أعمال الرسل، بأنه لا يمكن قانون الغذاء هذا أن يحمله على رفض الآخرين أو اعتبارهم أدنى مرتبة بسبب اختلاف حضارتهم أو أن يشكّل حاجزاً أمام نشر الإنجيل لكل العالم، لأن شرائع الكتاب المقدس وُضعت لسلامة الانسان ولمساعدة كل فرد في الارتقاء إلى خالقه.

أمّا الرسول بولس فكتب في رسائله أن السعي إلى الأمور الأبدية هو الأهم معتبراً أن الطعام وجوف الانسان إلى زوال. كما اعتبر أن الانسان خُلق ليمجد الله، وشدّد على طهارة الأخلاق وعلى الاهتمام بسلامة الروح من دون أن يقلّل من أهمية سلامة الجسد والغذاء.

في القرن التاسع عشر، ومع انتشار الارساليات حيث لم يكن علم الميكروبيولوجيا قد نشأ بعد، حافظ المرسلون على القوانين العامة للنظافة وحفظ الغذاء وامتنعوا عن أكل المخنوق وشرب الدم ولم يتأثّروا بالعادات الغذائية لأهل المناطق البعيدة التي توجهوا إليها، بل أرسوا قوانين صحّية أفضل وقد رافقهم في معظم الأحيان طاقم صحّي مؤلّف من أطباء وممرضين وبنوا المستشفيات للحد من انتشار الأوبئة والتسمم الغذائي وغيرها من الأمراض.

 

ضمان سلامة الغذاء في زمننا الحالي

اعتنت منظمات الصحة العالمية بسلامة الغذاء وأولته اهتماماً خاصاً لأن الملايين من الناس يعانون سنوياً من الأمراض المرتبطة بالغذاء ويموتون نتيجة تناولهم أغذية غير مأمونة. ومن انشغالاتها الرئيسيّة المرتبطة بالسلامة الغذائية:

  • انتشار الأخطار الميكروبيولوجية (بما في ذلك الجراثيم كالسلمونيلا وغيرها).
  • المواد الكيمائية الملوثة للأغذية.
  • تقييم التكنولوجيا الغذائية الجديدة (مثل الأغذية المعدّلة جينياً).
  • وضع نظام عالمي مضمون في مجال سلامة الغذاء.

وقد نبّهت بأنه لدى الأطفال والمسنّين والحوامل والأشخاص الذين يعانون من نقص المناعة استعداد خاص للإصابة بالأمراض المنقولة بالغذاء.

كما اعتبرت أنه يمكن الوقاية من الاصابة بالكثير من الأمراض المنقولة بالغذاء عن طريق إعداد الطعام بصورة سليمة. من أجل هذا أعدت هذه المنظّمة الوصايا الخمس لضمان الغذاء الآمن وتتألّف من العناصر التالية:

  • حافظ على نظافتك (وبخاصة نظافة اليدين).
  • أفصل بين الطعام النيء والطعام المطبوخ (استخدم ألواح تقطيع مختلفة لتحضير الخضار واللحوم).
  • أطبخ الطعام طبخاً جيداً.
  • حافظ على الطعام في درجة حرارة مأمونة.
  • استعمل المياه العذبة والمواد الغضّة المأمونة.

ونضيف:

  • تأكّد من صلاحية المنتج خصوصاً في خلال العروض الترويجية.
  • إذا لم تطبخ الأغذية النيئة مباشرة بعد التذويب، ينبغي تخزينها على درجة أقل من خمس درجات مئوية وطبخها خلال 72 ساعة من بدء التذويب.
  • اعتمد شراء المأكولات الموضّبة جيداً أو المعلّبة.
  • اتبع نظام غذائي متوازن ومنوّع وتخلّص من الوزن الزائد.

اتضح، بعد دراسة شريعة الغذاء في الكتاب المقدس وتوصيات منظمة الصحة العالميّة، أن تطبيق الوصايا الأساسية أثناء إعداد الطعام كفيل بالوقاية من الإصابة بالكثير من الأمراض المنقولة بالغذاء. وعلّنا نتناول طعامنا بهناء مع الشكر لله "غير فاحصين" كما نصحنا الرسول بولس، في انتظار أن تفرض الوزارات المناط بها الاهتمام بسلامة الغذاء قانون حماية المستهلك وتؤمّن الرقابة المستدامة على الغذاء.