سلام المؤمن

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

خَتَم الرّبّ يسوع آخر عظة ألقاها قبل صلبه بالقول: "قَد كلَّمْتُكُم بِهذا لِيَكونَ لَكُم فِيَّ سَلام.  في العالَم سَيَكونُ لَكُم ضيق، ولَكِنْ ثِقوا: أنا قَد غَلَبت العالَم" (يوحنّا 16: 33). 

 

من أجمل ألقاب المسيح في الكتاب المقدّس: "رئيس السّلام" و "سلامُنا".  أنشَدت الملائكة عَقِبَ ولادته: "على الأرْضِ السَّلام".  وقبيل موته، إذ كان مهتمًّا جدًّا بمشاعر تلاميذه المتحيِّرين والخائِفين، راح يُشجِّعهم مطيِّبًا خواطرَهم ومقوّيًا إيمانهم ورافعًا من معنويّاتهم، فقال لهم: "سَلامًا أَتْرُكُ لكُم.  سَلامي أُعطيكُم.  لَيسَ كما يُعطي العالَمُ أُعطيكُم أنا.  لا تَضْطَرِب قُلوبُكم ولا تَرْهَبْ".

عجيبٌ سلامُ المؤمنِ في المسيح!  إنّه ينبع من الصّليب ويسير في مجاري الاختبار ويثبت بقوّة الرّوح القدس.  لذا، هو منتصر دائمًا ومحفوظ أبدًا.  إنّ مَن يبحث عن السّلام لَنْ يجده في نفسه المتقلِّبة، ولا في ظروفه المتغيِّرة، بل في ربِّ الحياةِ الظّافرة والمطمئِنَّة والواثقة.  يبحث العالم كلّه عن السّلام، ودُعاة السّلام يتنقّلونَ من مكان إلى آخر، لكنّ النّبيّ إرميا يقول: لا سلام قال إلهي للأشرار، "وَيَشْفونَ كَسْرَ بِنتِ شَعبي عَلى عَثَمٍ، قائِلينَ: سَلامٌ، سَلامٌ.  ولا سَلام... اِنْتَظَرْنا السَّلامَ ولَمْ يَكنْ خَيْرٌ" (إرميا 8: 11، 15).

كان الرّبّ يسوع يجيد التّمتّع بالسّلام.  نام في السّفينة بأمان والأمواج ثائرة من حوله.  لم يكن له مكان يسند فيه رأسه، ومع ذلك لم يقلق أو يضطرب.  احتمل من الخطاة مقاومة شديدة بصبر وطول أناة.  ولمّا تركه الجميع، قال لهم: "تتركونني وحدي، وأنا لست وحدي، لأنّ الآبَ معي".  كان سلامُه دائمًا وكاملاً.  نَعِمَ بالهدوء والطُّمأنينة وضبط النّفس في مختلف الظّروف.  منح سلامه لبطرس فنام في السّجن المحروس بأربعة أرابع من العسكر وهو عالم أنّ رأسه سيُقطع في اليوم الثّاني.  وأعطاه لبولس فكان شجاعًا وهادئًا بينما السّفينة تغرق.  إنّ سلامه وافر وهو يريد أن يوزّعه على مختاريه الصّارخين إليه نهارًا وليلاً.  لا يريد المسيح لأولاده أن يفنوا من الحزن، ويشيخوا من الهمّ، وينحنوا من الغمّ، ويرتبكوا من الحيرة؛ بل أن يسعدوا به ويتلذّذوا بسكينة القلب.  لا يرغب في أن يراهم متقلّبين كالأمواج، يومًا ممتلئين ويومًا فارغين، بل ثابتين كالنّجوم. 

وعد الرّبّ يسوع المؤمنين بأنّه سيُرسِل لهم الرّوح القدس "المعزّي"، الّذي يمكث معهم ويكون فيهم، فيحمل معهم أثقالهم ويخفّف أحزانهم ويُسكِّن روعهم (يوحنّا 14: 16).  وأنبأهم بقوّة الصّلاة قائلاً: "ومَهْما سأَلْتُم باِسْمي فذَلِكَ أفعَلُه" (يوحنّا 14: 13).  المؤمن الّذي يصلّي ويسمح للرّوح القدس بأن يملأه ويرشده يمشي فوق موج التّحدّيات، ويقول لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر فيفعل.  الصّلاة دواءٌ نافعٌ لكلِّ داءٍ يُريع الإنسان ويقضّ مضجعه.

وقال لتلاميذه: "لَيسَ عَبْدٌ أعظَمَ مِن سَيِّدِه.  إنْ كانوا قدِ اضْطَهَدوني فَسَيَضْطَهِدونَكُم" (يوحنّا 15: 20).  يعيش المؤمنون أحيانًا في غفلة من الاضطهاد المتربّص بهم فينسون أمر حمل الصّليب، وهكذا يتفاجأون ببعض التّجارب وامتحانات الإيمان، ويفقدون بالتّالي سلامهم.  لكنّهم اذا توقّعوا حروبًا روحيّة في هذا العالم الشّرّير فهذا يُعينهم على بلوغ السّلام.

 

المؤمن في المسيح له سلام عظيم.  ولكنّ الواقع يُشير إلى أنّه أيضًا يعيش في العالم الشّرّير، وهذا وحده سبب كاف للاضطراب كما أنبأ الرّبّ يسوع: "في العالَمِ سَيَكونُ لَكًُم ضِيق".  أمّا سبب هذا الضّيق فهو لأنّ المؤمن لا ينتمي إلى العالم الشّرّير الّذي يُحبّ خاصّته ويُبغض المسيح وخاصّته (يوحنّا 15: 19).  هذه حقائق لا تتغيّر!  ثمّة عداوة شديدة بين "رئيس العالم"، أي الشّيطان، و"ربّ العالم"، أي المسيح.  وعلى المؤمن أن يحترس لأنّ الشّيطان لن يُغيّر طبعه المخادع، و"العالم الشّرّير" لا يمكن أن يحبّه.  نرى إذًا أنّه لا وجود لوعدٍ بالوقاية من العالم، بل بالضّيق فيه.  فهناك المقاوِمون، ومصائب الحياة، ومخاصمة الألسن، وغدر الزّمان، والاضطهاد بسببِ التّقوى، وأمور أخرى تجعل"بلايا الصّدّيق" كثيرة، ولكن، "مِن جَميعِها يُنَجّيه الرّبّ" ويُعطيه أن يختبر السّلام.

لا يعني هذا أن يطلب المؤمن المصائب لنفسه، ولا هي دائمًا من نصيبه؛ بل يجب عليه أن يتنبّه لأنّها تحيط به.  العناية الإلهيّة تفيض على أولاد الله بالبركات الرّوحيّة والدّنيويّة.  إن وقاهم الله من الأرزاء، أو سمحَ بها، فواجبهم أن يفرحوا وأن يشكروا.  قال الرّسول بولس: "ولكِنَّنا في هذِهِ جَميعِها يَعظُمُ اِنتِصارُنا بالَّذي أَحبَّنا. فإنّي مُتَيَقِّنٌ أنّه لا مَوتَ ولا حياةَ، ولا مَلائِكةَ ولا رُؤساءَ ولا قُوّات، ولا أمورَ حاضِرَةً ولا مُستَقبَلَة، ولا عُلْوَ ولا عُمْقَ، ولا خَليقَةَ أخْرى، تَقدِرُ أنْ تَفْصِلَنا عَن مَحبَّةِ اللهِ الّتي في المسيحِ يَسوعَ رَبِّنا" (رومية 8: 37-39). 

الإيمان بالمسيح يمنح الإنسان انتصارًا حقيقيًّا حتّى ولو كان يعيش في "العالم".  حين قال الرّبّ يسوع: "ثِقوا أنا قَد غَلَبت العالَم" كان يقف على مشارف الصّليب.  ثمّ خرج من معركة الجلجثة غالبًا، لكي يُعطي كلّ مؤمن به هذا الانتصار بالإيمان (1يوحنّا 5: 4).  كتب الرّسول بولس إلى الشّابّ تيموثاوس يقول له: "فتَقَوَّى أنتَ يا ابْني باِلنِّعمَة الَّتي في المسيح يَسوع...  فاشْتَرِك أنتَ في اِحتِمالِ المشَقّات كَجُندِيّ صالِحٍ لِيَسوعَ المسيح ... صادِقَةٌ هيَ الكَلِمَة: أنَّه إنْ كنّا قَد مُتْنا مَعَه فَسَنَحيا أيضًا مَعَه.  إنْ كنّا نَصبِرُ فَسَنَملِكُ أيضًا مَعَه" (2 تيموثاوس 2: 1 - 12).

عندما يلبس المؤمن سلاحَ الله الكامل يتأكّد من أنّه يسير "في موكب نصرته".  وفي كلِّ مرّةٍ ينتصر، تتعمّق في كيانه الدّاخليّ جذور السّلام.  شهد الملك داود لوجود هذا السّلام فيه، فترنّم: "الرّبُّ نوري وخَلاصي، مِمَّن أخاف؟  الرّبُّ حِصنُ حَياتي، مِمَّن أَرتَعِب؟  عِندَ ما اقتَرَبَ إليَّ الأشرار... عَثَروا وسَقَطوا.  إنْ نَزَلَ علَيَّ جَيشٌ لا يَخافُ قَلبي.  إنْ قامَت علَيَّ حَربٌ فَفي ذلِكَ أنا مُطْمَئِنّ...  لأنَّه يُخَبِّئُني في مَظَلَّتِه في يَومِ الشَّرّ" (مزمور 27).  كذلك، يتمتّع كلّ مؤمن بسلام الله الّذي يفوق كلّ عقل، والّذي يحفظ قلبه وفكره في المسيح يسوع (فيلبّي 4: 7).