سياحة المسيحيّ – الجزءّالرّابع

الموضوع:
العدد:
السنة:

غادر "المسيحيّ" مدينة الهلاك بعد أن تبيّن له أنّه أخطأ إلى الله وحُكِم عليه بالموت. وبدأ رحلته نحو المدينة السّماويّة هربًا من الغضب الآتي، وهو ينوء تحت حمل خطاياه. رافقه واحدٌ من جيرانه، يُدعى "المرِن"، حتّى وصلا إلى "بالوعة اليأس". وإذ لم ينتبها، سقطا كلاهما في الطّين. تملّك الخوف "المرِن"، ولمّا استطاع أن ينجو من الحمأة، مضى راجعًا إلى بيته. أمّا "المسيحيّ"، فبقي يتخبّط في الطّين، إلى أن أتى "المنجِد" وأخرجه؛ فتابع طريقه حتّى وصل إلى "الباب الضّيّق". وهناك، استقبله رجل يُدعى "الإحسان"، وكشف له الطّريق الضّيّق الّذي ينبغي أن يسلكه ليصل إلى المدينة السّماويّة. مرّ "المسيحيّ"، في طريقه، ببيت "المفسِّر" ورأى هناك كيف حفظ المسيح عمل نعمته في قلب الإنسان، على الرّغم من محاولات الشّيطان. أخذه "المفسِّر" أيضًا إلى مكان فيه قصر بديع، فرأى نزلاء القصر في ملابسهم الذّهبيّة، كما رأى رجلاً مغامرًا أتى وشقّ طريقه وسط الجماعة المسلّحة الّتي تجمّعت حول الباب لتعترض طريق الدّاخلين. وإذ ناضل بقوّة، غلب ودخل القصر.

الدّينونة الأخيرة

اقتاد "المفسِّر" "المسيحيّ" إلى داخل غرفة، فرأى شخصًا يهبّ من نومه مذعورًا، ويرتجف ويرتعش، لأنّه رأى في حلم كيف ستكون نهاية العالم، وهو غير مستعدّ بعد للدّينونة.

لقد رأى سحبًا سوداء، والسّماء تُظلم إظلامًا شديدًا، وترعد وتبرق، والصّخور تتشقّق والقبور تتفتّح، ويخرج الأموات الّذين فيها.

حاول بعض النّاس أن يخفي نفسه من وجه الجالس على العرش، فاختبأ وهو يصرخ للجبال: "اسقطي عليَّ" وللآكام "غطّيني". أمّا الآخرون، فخُطِفوا لملاقاة الرّبّ في السّحاب.

ما معنى كلّ هذا؟ يرفض الكثيرون مجرّد التّفكير في نهاية العالم، ويعيشون في استهتار وعدم مبالاة؛ فيُباغتهم الهلاك فجأةً، وتأتي عليهم الدّينونة كلصّ في اللّيل. وإذ يسمعون صوت الرّبّ ينادي الجميع للمثول أمام العرش، يحاولون الهرب، فلا يستطيعون الاختباء من وجه ذلك الّذي كلّ شيء مكشوف وعريان أمام عينيه.

أمّا المستعدّون للقاء المسيح، فيُخطفون لملاقاة الرّب في السّحاب: لقد مات المسيح عنهم ليُصالحهم مع الله، وقادهم الرّوح القدس ليقبلوه. بينما كلّ الّذين رفضوه، سيكون عقابهم في بحيرة النّار المتّقدة.

"المسيحيّ" عند الصّليب

بعد تركه "للمفسِّر"، تابع "المسيحيّ" طريقه، وإذا به قد أحيط من جانبيه بسور يسمّى "سور الخلاص". ركض "المسيحيّ" وحِمله يُثقل منكبيه، وتقدّم صاعدًا تلك الطّريق بصعوبة وجهد حتّى وصل إلى رابية مرتفعة أقيم فوقها صليب وفي أسفلها قبر.

اقترب "المسيحيّ"، وما إن رفع بصره إلى الصّليب، حتّى انحلّت ربط النّير، وسقط الحِمل من على منكبيه، وظلّ يتدحرج حتّى وصل إلى فم القبر، فاختفى ولم يعد يراه أيضًا. عندئذٍ، ابتهج "المسيحيّ"، وشكر الرّبّ وحمده قائلاً:" بأحزانه أراحني، وبموته أحياني". ثمّ وقف يتأمّل متعجّبًا كيف أنّ منظر الصّليب قد أراحه من حِمله، ففاضت ينابيع عينيه، وسالت الدّموع على وجنتيه.

وبينما هو كذلك، اقترب منه ثلاثة أشخاص في ثياب برّاقة، حيّوه قائلين: "سلام لك، مغفورة لك خطاياك". ثمّ نزعوا عنه ثيابه القذرة، وألبسوه رداءً جديدًا، وأعطوه دُرجًا عليه ختم، وأمروه بأن يقرأ فيه ثمّ يسلّمه عند باب المدينة السّماويّة. شعر "المسيحيّ" بسلام عظيم، فقفز من الفرح، ومضى يترنّم قائلاً: "مبارك الصّليب! مبارك القبر! مبارك الّذي استهان بالخزي والعار لأجلي!"

وعندما نسأل: كيف نتحرّر من ثِقل خطايانا؟ وكيف نسدّ الهوّة الّتي تفصلنا عن الله؟ يأتينا الجواب: بالإيمان بالرّبّ يسوع المسيح الّذي مات على صليب الجلجثة ليرفع خطايا العالم: "الّّذي فيه لنا الفِداء، بدَمِه غُفران الخطايا". إنّ كلّ خاطئ يتوب ويؤمن به يخلص من الغضب الآتي.

لقاء عجيب

تابع "المسيحيّ" سيره فرحًا حتّى وصل إلى وادٍ، وهناك أبصر ثلاثة رجال يغطّون في نومٍ عميق، بالقرب من بحر هائج قد تغمرهم مياهه في أيّة لحظة . كان الأوّل يدعى "السّاذج" والثّاني " الكسول" والثّالث "المدَّعي". وكان يربض، على مقربة منهم، أسد زائر يلتمس ابتلاعهم. ولكنّ الرّجال النّائمين لا يدركون الخطر المحدق بهم. ولمّا رآهم "المسيحيّ" ينامون في هذه الحالة، ركض إليهم، وأيقظهم، وحاول تحذيرهم. لكنّهم لم يعيروا كلماته أهميّة، بل تجاهلوه وعادوا فاضطجعوا غير مبالين.

إنّه لأمر عجيب ألاّ نرى الخطر المحدق بنا. يا لها من حماقة أن نظلّ نائمين على الرّغم من التّحذيرات من اقتراب غضب الله.

جبل الصّعوبات

التقى "المسيحيّ" في طريقه إلى المدينة السّماويّة، مسافرَين، أحدهما يُعرف بـ"الطّقسيّ" والآخر بـ"المرائي". ساروا جميعًا حتى وصلوا عند منحدر جبل يُدعى "جبل الصّعوبات". ويجب على المسافر المتوجّه إلى المدينة السّماويّة، أن يتسلّق الطّريق الضّيّق الصّاعد فوق الجبل. لكنّ الرّجلين، عندما رأيا أنّ تسلّق التّلّ صعب، فضّلا البقاء على الطّريق الّذي بدا لهما هيّنًا وسهلاً، وهما يجهلان أنّه يؤدّي إلى الضّلال التّامّ؛ فسلكا فيه وهلكا. أمّا "المسيحيّ"، فصعد فوق الجبل، واستمرّ في مسيره تارةً يركض، وأخرى يمشي أو يزحف على يديه ورجليه بسبب وعورة الطّريق.

يمثّل "الطّقسيّ"شخصًا مكتفيًا بصورة التّقوى الخارجيّة، أمّا "المرائي"، فيمثّل كلّ شخص يدّعي ما هو ليس عليه. وهناك العديد من النّاس المشابهين لهما اليوم. إنّهم مسيحيّون مزيّفون، يريدون طريقًا سهلاً إلى السّماء، ولكنّهم غير مستعدّين لمحاربة إبليس ومواجهة الخطيّة. أمّا المسيحيّ الحقيقيّ، فلا يتجنّب "جبل الصّعوبات"، بل يُصارع عكس التيّار، ويتحدّى الرّياح؛ فيصل إلى الهدف المرغوب.

الدُّرج المفقود

وصل "المسيحيّ"، في أثناء رحلته، إلى دوحة غرسها الرّبّ ليستظلّ تحتها المسافرون. وهي تقع في منتصف الطّريق إلى قمّة الجبل. اتّكأ "المسيحيّ" تحتها، فغلبه النّعاس ونام. وخلال نومه، سقط الدُّرج من يده، ولم يكتشف خسارته إلاّ بعد أن استأنف رحلته ووصل إلى قمّة الجبل؛ فاغتمّ جدًّا لأنّه أضاع الشّيء الوحيد الّذي يريحه من عناء المسير، ويسمح له بدخول المدينة السّماويّة، ويضمن حياته الأبديّة. عندئذٍ، أصابه الارتباك والحيرة. وأخيرًا، تذكّر المكان الّذي نام فيه، فقفل راجعًا ليفتّش عن الدُّرج المفقود. وإذ وجده، التقطه وأعاده الى حضنه. كم كان فرحه عظيمًا لعثوره عليه، فهو دليل نواله الحياة، وعربون قبوله في المدينة السّماويّة.

هل نسافر من دون هذا الدُّرج؟ نحن لا نحصل عليه باستحقاقنا، ولا نربحه. إنّه هبة الله.

الصّراع عند القصر

حثّ "المسيحيّ" خطواته، وإذ به يرى قصرًا بديعًا يقال له "الجميل"، بناه ربّ المكان، وأقامه على رأس الجبل لراحة المسافرين وسلامتهم، حيث يستطيع "المسيحيّ" الحصول على مأوى لليلة. وعلى مقربة من القصر، ضاق الطّريق جدًّا، وتحوّل إلى ممرّ صغير يؤدّي إلى كوخ البوّاب. وإذ كان "المسيحيّ" يحدق النّظر في الظّلام، أبصر أسَدَين يربضان عند المدخل؛ فارتاع. لكنّ البوّاب شجّعه وقال له إنّهما مقيّدان بسلاسل، وبينهما مسافة صغيرة يمكنه اجتيازها. هذان الأسدان قد وُضعا على الطّريق لامتحان الإيمان، ومعرفة الّذين يأتون بغيررجاء.

تقدّم "المسيحيّ" وهو يرتجف من الخوف، ومرّ بهما. لقد سمعهما يزأران، ولكنّهما لم يضرّاه بسوء. وعندما تجاوزهما ووصل إلى باب القصر، رحّبت به العائلة المقيمة ترحيبًا حارًّا قائلةً: "ادخل يا مبارك الرّبّ"، فدخل وجلس، ثمّ أمضى اللّيل في الحديث عن الرّبّ الّذي مات معلّقًا على الصّليب، وكيف أراحه من حِمله بعد أن كان متعَبًا من فساد طبيعته، وعبّر عن أشواقه للوصول إلى المدينة السّماويّة.