سياحة المسيحيّ – الجزء الأخير

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

نصل إلى الجزء الأخير من كتاب "سياحة المسيحيّ" للكاتب "جون بنيان". هذا الكتاب الّذي ألّفه وهو في السّجن حيث قضى اثني عشر عامًا لأنّه رفض الخضوع للسّلطات والتّخلّي عن خدمته في الوعظ والتّبشير.

ما يعلّمه هذا الكتاب فائق الأهميّة، لأنّه يخبرنا عن مكان السّعادة الحقيقيّة، ويدلّنا إلى مَن نلجأ للحصول على المساعدة اللاّزمة في رحلة الحياة. إنّه يُلقي الضّوء على بعض الحقائق الكتابيّة الكامنة في كلمة الله، "الكتاب المقدّس"، ذلك الكتاب الخالد والعظيم. أمّا هدفه الأوّل والأخير، فهو تشجيعنا على البحث عن الكنوز الحقيقيّة المذّخَرَة في الرّبّ يسوع المسيح.

يخبر الكتاب قصّة رجل يدعى "المسيحيّ"، ويسرد وقائع رائعة وغير عاديّة واجهته في رحلته من العالم الحاضر، "مدينة الهلاك"، إلى المدينة السّماويّة.

أمّا رحلته فابتدأت هكذا: لمّا كان "المسيحيّ" يقرأ في كتابه ويصلّي، تبيّن له أنّه أخطأ إلى الله، وأنّه محكوم بالموت وعليه الهرب من مدينة الهلاك، مكان ولادته، لينجو من الغضب الآتي. تذكّر خطاياه الماضية، فتملّكه الرّعب والشّعور بالحزن والاضطراب. أثقلت خطاياه كاهله، فكانت حِملاً عظيمًا على ظهره. حاول في البداية أن ينطوي على نفسه حتّى يخفي بؤسه، لكنّه لم يستطع الاستمرار في كتم الأمر، فأفصح عمّا في نفسه لزوجته وأولاده. لكنّهم بدلاً من أن يساندوه، اتّهموه بالجنون وبدأوا يلومونه ويوبِّخونه، فصار يسير منفردًا في الحقول يبحث عن طريقٍ للخلاص. وإذ لم يكن يعلم إلى أين يذهب، أقبل إليه رجلٌ يُدعى "المبشِّر". أعطاه دُرجًا ملفوفًا وأرشده إلى الباب الضّيّق. هناك استقبله "الإحسان"، وكشف له الطّريق الّذي ينبغي أن يسلكه ليصل إلى المدينة السّماويّة. ركض "المسيحيّ" وحِمله يثقل مَنكِبَيه، وتقدّم صاعدًا تلك الطّريق بصعوبة وجهد حتّى وصل إلى رابية مرتفعة وُضِعَ في أعلاها صليب وفي أسفلها قبر. اقترب "المسيحيّ"، وما إن رفع بصره إلى الصّليب، حتّى انْحَلَّت ربطة النّير، وسقط الحِمل من على مَنكِبَيه، وظلّ يتدحرج حتّى وصل إلى فم القبر، فاختفى. ابتهج "المسيحيّ" وازدادت رغبته في الوصول إلى الجبل المقدّس، والتهب شوقًا إلى رؤية مخلّصه الحيّ، ذاك الّذي أراحه من حِمله بينما كان متعبًا من فساد طبيعته. التقى "المسيحيّ" بـ"الأمين"، وسار معه حتّى وصلا إلى "سوق الأباطيل". هناك ثارت ثائرة تجّار السّوق عليهما واتّهموهما بالهرطقة. فجلدوا "الأمين" وضربوه ثمّ أحرقوه بالنّار. أمّا" المسيحيّ" فاستطاع أن ينجو من أيديهم ومضى في طريقه يتبعه "الرّاجي" حتّى وصلا إلى " نهر ماء الحياة". وإذ أصبح الطّريق وعرًا، قفزا من فوق السّور، وسارا في "المرعى الجانبيّ" ولجأا إلى ساتر يقع بالقرب من "قلعة الشّكّ" الّتي يملكها جبّار "اليأس"، فأمسك بهما ووضعهما في سجن قلعته. ابتدأ الرّجلان بالصّلاة واستمرّا كذلك حتّى طلوع الفجر. وقبل أن تبزغ الشّمس بقليل، وجد "المسيحيّ" مفتاح "الوعد"، ففتح الأقفال وانطلقا مسرِعَين حتّى وصلا إلى الجبال البهيجة في أرض "عمّانوئيل". كان على قمم تلك الجبال رعاة يرعون قطعانهم. فأخذوهما إلى قمّة جبل عال يسمّى "النّقاوة"، وأعطوهما منظارًا مكبّرًا، ليريا من خلاله المدينة السّماويّة. وزوّدوهما بخريطة تُوضح لهما الطّريق وأعطوهما بعض التّحذيرات والتّعليمات الّتي عليهما اتّباعها كي لا  يضلاّ في هذا الجزء الأخير من رحلتهما.

إلى مدينة عمّانوئيل

وصل "المسيحيّ" و"الرّاجي" إلى نهر عميق، يُدعى "نهر الموت". كان هذا النّهر يفصل بينهما وبين المدينة السّماويّة، ولا سبيل للوصول إلى باب المدينة إلاّ بالعبور فيه.

استعدّ السّائحان للعبور، ولمّا دخلا المياه، حاول الشّيطان أن يبثّ الرّعب في نفسيهما لإخافتهما. رأى "المسيحيّ" حياته كلّها تمرّ أمامه، فغاص في المياه العميقة وبدأ يغرق. لكنّ "الرّاجي" أمسك به وجاهد كثيرًا ليرفع رأسه فوق المياه، وحاول أن يخفّف الألم عنه ويبثّ التّعزية في نفسه. عندما لاح باب المدينة في الأفق، أبصرا بعض النّاس واقفين حوله ينتظرون قدومهما، فتشجّعا. ورأى "المسيحيّ" يسوع فتذكّر وعده: "إذا اجتزت في المياه فأنا معك، وفي الأنهار فلا تغمرك". فتشدّدا كلاهما وصار العدوّ جامدًا كصخرة حتّى انتهيا من العبور. لمّا وصلا إلى الشّاطئ الآخر، أتت أرواح خادمة وساعدتهما،  فخرجا من النّهر.

للولادة وقت وللموت وقت. وبين هذين الوقتين، حقبة من الحياة، يعرفها الله وحده. ما هي مدّتها؟ نحن لا نعرف. لكنّنا نعرف أنّ وقت الوفاة لا بدّ آتٍ فيجب أن نكون دومًا مستعدّين.

يُشَبَّه الموت بنهر عميق سنعبره كلّنا. إنّ الطّريق عبر الموت قد سبق يسوع ومهّده. لقد وعد أن يكون قريبًا منّا، وأنّ شعبه كلّه سيصل سالِمًا إلى السّماء، إلى المدينة السّماويّة، فهو قد سبقنا وأعدّ لنا الطّريق. السّماء هي مكان مُعَدّ لشعب مستعدّ.

مدينة عمّانوئيل

قال يسوع:" في بيت أبي منازل كثيرة... أنا أمضي لأُعِدّ لكم مكانًا" (يوحنّا 14: 2).

اقتاد الملائكة السّائحان إلى البوّابة الذّهبيّة، وهم يخبرونهما عن مجد المكان، أورشليم السّماويّة. عندما وصل "المسيحيّ" و"الرّاجي"، أُعطِيا ثيابًا بيضًا فصار فرحهما عظيمًا وصارا يسبّحان بصوت عظيم. ولمّّا دخلا، رأيا المدينة كلّها تضيء كالشّمس، وكانت شوارعها مرصوفة بالذّهب. هناك لن يريا الأمور الّتي صادفتهما أثناء رحلتهما، فالحزن والمرض والضّيق والموت لن توجد فيما بعد، لأنّ الأمور الأولى قد مضَت والآن كلّ ما تراه أعينهما نقيّ وطاهر. هناك شاهَدا الملِك بكلّ مجده وبهائه، وصارت كلّ أجراس المدينة تدقّ ابتهاجًا مرحّبة بقدومهما. سلّم كلّ واحد شهادته الّتي تسلّمها عند بدء رحلته، ثمّ دخلا كلاهما إلى مقرّهما الأبديّ. هناك سيقضيان الأبديّة يتمتّعان بالمسرّات اللاّمتناهية، وسينالان تعزية عن كلّ أتعابهما، وفرحًا عظيمًا عوضًا عن الحزن. سيحظيان برؤية وجه القدّوس نهارًا وليلاً، وسيخدمانه دائمًا بالحمد والهتاف والشّكر لأجل محبّته العظيمة.

بعد فترة وجيزة، وصل شخص آخر إلى باب المدينة السّماويّة، اسمه "الجهل"؛ استطاع أن يعبر النّهر بسهولة على عكس "المسيحيّ" ورفيقه. فقد التقى بصاحب مركب يدعى "الرّجاء الباطل"، أخذه في قاربه وعبر به النّهر وأوصله إلى باب المدينة. وإذ لم يكن أحد في استقباله، ابتدأ يقرع، ظنًّا منه أنّه سيُسمَح له بالدّخول سريعًا. فأطلّ رجال من فوق السّور وسألوه عن شهادته، فأخذ يفتّش ولم يجد شيئًا. عندها، أمر الملك ملائكته بأن يطرحوه في جهنّم.

عاش "الجهل" ومات من دون رحمة الله. لقد اعتقد أنّه يستطيع الوصول إلى السّماء بقوّته الخاصّة وبمجهوده الشّخصيّ. فليكن ذلك تحذيرًا لنا جميعًا.