سياحة المسيحيّ – الجزء الأوّل

الموضوع:
العدد:
السنة:

عزيزي القارئ ،

بين يديك كتيّبٌ بسيط، يُخبر قصّة رجلٍ، ويسرد وقائع رائعة وغير عاديّة واجهته في رحلته من العالم الحاضر (مدينة الهلاك) الى السّماء (المدينة السّماويّة).  وقد اشتهرت قصّته جدّاً فتُرجِمت إلى  لغّات عدّة.  وهي عبارة عن حلم راود الكاتب وترك في نفسه أثراً عميقاً، فدوّنه وفصّل أحداثه في كتابٍ تحت عنوان "سياحة المسيحيّ".

ما يعلّمه هذا الكتاب فائق الأهميّة، لأنّه يخبرنا عن مكان السّعادة الحقيقيّة، الفرح الدّائم والكنز الباقي الّذي لا يفسده السّوس ولا الصّدأ.  إنّه يعطي أمثلةً عن الّذين سيصلون في النّهاية إلى المدينة السّماويّة، وعن الّذين لن يصلوا.  إنّه يرينا إلى أين نذهب وإلى مَنْ نلجأ للحصول على المساعدة اللاّزمة في رحلة الحياة.  أمّا هدفه الأوّل والأخير، فهو تشجيعك على البحث عن الكنوز الحقيقيّة المذّخرة في الرّبّ يسوع المسيح.

يمثّل هذا الكتيّب جزءاً صغيراً من القصّة الكاملة.  ليت قراءته تشجّعك وتحثّك على امتلاك الكتاب الأصل.  إنّ كلمة الله، الكتاب المقدّس، هي بالطّبع مُرشدنا الوحيد المعصوم عن الخطأ.  إلاّ أنّ كتاب "سياحة المسيحيّ"، يلقي الضّوء على بعض الحقائق الكتابيّة الكامنة في ذاك الكتاب الخالد والعظيم.

جون بَنيان

ولد "جون بنيان"، كاتب "سياحة المسيحيّ"، في قرية "إلستو Elstow" القريبة من "بدفورد   Bedford" في إنجلترا، عام 1628.   

وعلى الرّغم من فقر أبوَيه، فقد ذهب إلى المدرسة، ولكنّه سرعان ما نسي القدر اليسير الّذي تعلّمه، فساعدته زوجته وعلّمته القراءة والكتابة.  عمل سمكريّاً حتّى عام 1657، ثمّ كرّس نفسه للتّبشير وأصبح واعظاً.  وفي نوفمبر 1660، أُودِع "بنيان" السّجن وقضى في غياهبه اثني عشر عاماً لأنّه رفض الخضوع للسّلطات والتّخلّي عن خدمته في الوعظ والتّبشير.  توفّي في 12 أغسطس 1688، وكانت وفاته صدىً لما قاله سفر الجامعة:" للوِلادَةِ وَقتٌ ولِلمَوتِ وَقتٌ".

في السّجن، حلم "بنيان" حلماً دوّنه في كتاب "سياحة المسيحيّ"، وعلى الرّغم من أنّ الشّخصيّة الرّئيسة تمثّله وتروي قصّته، لكنّه لم يُعطِها اسمه الخاصّ بل أطلق عليها اسم :"المسيحيّ".

فلندخل مباشرةً إلى أحداث القصّة...

يوئيل 28:2                  متّى 13:25

 

أملٌ وسط اليأس

كان المسيحيّ يُمسك بيده كتاباً يقرأه.  وقد تبيَّن له ممّا قرأه أنّه أخطأ إلى الله، وأنّه محكومٌ بالموت وعليه الهرب من مدينة الهلاك، مكان ولادته، لينجو من الغضب الآتي.  تذكّر خطاياه الماضية، فتملّكه الرّعب والشّعور بالحزن والاضطراب، فاستسلم لليأس والقنوط.  خطاياه أثقلت كاهله، فكانت حِملاً عظيماً على ظهره.  أمّا ثيابه فكانت كأسمالٍ بالية.  حاول مراراً وتكراراً التّخلّص من حمله، لكنّ جهوده باءت بالفشل فصرخ من شدّة اليأس: "ماذا ينبغي أن أفعل؟"  لم يعد يجرؤ على العيش كما في السّابق خشية أن يهلك في خطاياه.  لكنّ الله الرّؤوف يُعين برحمته الّذين يطلبونه. وهو مازال يدعو: "تَعالَوا إليَّ يا جَميعَ المُتعَبينَ والثّقيلي الأحمال وأنا أُريحُكُم".

مزمور 5:38                     رومية 20:3

ماذا ينبغي أن أفعل؟

حاول المسيحيّ في البداية أن ينطوي على نفسه قدر المستطاع، حتّى يخفي بؤسه فلا يُلاحظ أحدٌ اضطرابه.  لكنّه لم يستطع الاستمرار في كتم الأمر لأنّه ازداد اضطراباً وحزناً.  فاضطرّ أخيراً لأن يفصح عمّا في نفسه لزوجته وأولاده، فقال لهم: "إنّني إنسانٌ هالِكٌ بسبب حِملٍ ثقيل يُثقِل كاهلي. وقد علمت بالتّأكيد أن ّمدينتنا هذه ستحترق بنار من السّماء، وفي هذا الدّمار المروّع، سوف نهلك جميعاً، أنا وأنتم، إن لم نجد وسيلةً ننجو بها من الهلاك".

فلمّا سمعوا كلامه عقدت الدّهشة ألسنتهم لأنّهم اعتقدوا أنّه قد أصيب بالجنون، فهم لم يسمعوه يتكلّم كلاماً كهذا من قبل.  وإذ كان اللّيل قد هبط، أخذوه إلى فراشه لعلّ النّوم يُهدّئ من روعه، آملين أن تتحسّن حاله في الصّباح.  ولمّا حلَّ الصّبح، إذا به قد صار إلى حالٍ أردأ ممّا كان عليه.

ولمّا عاد إلى حديثه معهم ،أظهروا تجلّدهم وبدأوا يلومونه ويوبّخونه.  وعوضاً من مساندته، قابلوه بالجفاء والتّهكّم والسّخرية، ممّا اضطرّه إلى الانعزال في حجرته ليصلّي ويطلب الرّحمة لأجلهم. فالرّبّ هو خير ملاذ حتّى حين نواجه الاضطهاد من أفراد العائلة أو من الأصدقاء.