سياحة المسيحيّ – الجزء الثّامن

الموضوع:
العدد:
السنة:

 

غادر "المسيحيّ" مدينة الهلاك بعد أن تبيّن له أنّه أخطأ إلى الله، وأنّه محكوم بالموت. وبدأ رحلته نحو المدينة السّماويّة هربًا من الغضب الآتي، وهو ينوء تحت حمل خطاياه. بعد صعوبة وجهد، وصل إلى رابية مرتفعة وُضِع في أعلاها صليب وفي أسفلها قبر. ولم يكد يتقدّم نحو الصّليب حتّى انحلّت ربط النّير وسقط الحمل من على مَنكِبيه، وراح يتدحرج حتّى وصل إلى باب القبر فاختفى. ابتهج "المسيحيّ" وتابع طريقه فالتقى بـ"الأمين"، وسار معه حتّى وصلا إلى مدينة "البُطل"، ودخلا سوقها المعروف بـ"سوق الأباطيل". ثارت ثائرة تجّار السّوق عليهما لأنّهما كانا متسربلَين بثياب تختلف عن ثيابهم، ويتكلّمان بلغة تختلف عن لغتهم، ولأنّهما لم يُعيرا معروضاتهم أدنى اهتمام. فاقتادوهما إلى الحكّام واتّهموهما بالهرطقة. فجلدوا "الأمين" وضربوه ومزّقوا جسده بالحراب، ثمّ أحرقوه بالنّار على عمود حتّى صارت جثّته رمادًا. أمّا" المسيحيّ" فقد عذّبوه إلى حين. ولكنّ ذلك الّذي في يده كلّ شيء دبّر أن ينجو "المسيحيّ" من أيديهم؛ فمضى في طريقه. وتبعه "الرّاجي" الّذي قطع عهدًا بأن يرافقه في سفره بعد أن رآه يتألّم في سوق الاباطيل هو و"الأمين". صادف السّائحان في طريقهما عمود الملح الّذي تحوّلت إليه امرأة لوط عندما نظرت إلى الخلف، وهي في طريقها للنّجاة من سدوم. فتذكّرا رحمة الرّب الّتي تحفظهما، وشكراه وسارا حتّى وصلا إلى " نهر ماء الحياة"، فاستراحا على ضفّته: شربا من مائه العذب وأكلا من ثمار الأشجار المغروسة على جانبَيه، فانتعشت نفساهما ثمّ تابعا طريقهما.

 

وإذ أصبح الطّريق وعرًا، التمسا أن يجدا طريقًا أسهل. فقفزا من فوق السّور، وسارا في "المرعى الجانبيّ" ولجأا إلى ساتر يقع بالقرب من "قلعة الشّكّ" الّتي يملكها جبّار "اليأس"، فأمسك بهما ووضعهما في سجن قلعته.

 

لبث "المسيحيّ" و"الرّاجي" هناك من دون أن يتناولا كسرة خبز أو يشربا قطرة ماء، ولم يكونا يبصران النّور.

 

لمحة من المجد الأسنى

 

بعد لقاء "المسيحيّ" و"الرّاجي" بالرّعاة، أصبحت لديهما رغبة قويّة في إنهاء الرّحلة. أخذهما الرّعاة إلى قمّة تلّ عال يسمّى "النّقاوة"، وأعطوهما منظارًا مكبّرًا، لينظرا من خلاله إلى أبواب المدينة السّماويّة. لمّا حاولا التّطلّع اهتزّت أيديهما، فلم يتمكّنا من النّظر في ثبات عبر المنظار، لكنّهما أبصرا كمنظر باب وشيئًا من مجد ذلك المكان. يشير المنظار إلى إيمان السيّاح، وباستخدامه يمكنهم رؤية مستقبلهم المجيد. لكنّ عين الإيمان تُصاب أحيانًا بالخوف من أنّ المسافرين الحقيقيّين لا يرون المجد الّذي ينتظرهم.

 

لمّا قرّر "المسيحيّ" و"الرّاجي" الرّحيل، أعطاهما الرّعاة خريطة توضح لهما الطّريق. وأعطوهما أيضًا بعض التّحذيرات والتّعليمات الّتي عليهما اتّباعها كي لا يضلاّ في هذا الجزء الأخير من رحلتهما.

 

هل أنت مستعدّ لتكمل سفرك؟ كيف تتوقّع أن تكون نهاية رحلتك؟ إذا خسرت نفسك، فسوف تخسر كلّ شيء.

 

فليسمع كلّ مَن يخشى الله

 

سار "المسيحيّ" و"الرّاجي" حتّى أتيا إلى بلاد هواؤها يجلب النّعاس. وكيلا يغلبهما النّعاس، أخذا يتكلّمان معًا ويبوحان بما في قلبيهما. أخبر "الرّاجي" "المسيحيّ" كيف اعتاد أن يعيش في الخطيّة، وكيف كان يريد أن ينعم بالحياة إلى أقصى حدود، فارتكب الذّنوب وعاش يلذّذ نفسه بالأمور الّتي كانت ستنتهي به إلى الغرق في لجّة الهلاك. ثمّ كيف انفتحت عيناه ليرى كيف ستكون نهاية حياته. فرأى الموت بعينيه، وأدرك أنّ غضب الله سيأتي على أبناء المعصية. فوقع تحت قوّة التّبكيت، لكنّه حينئذٍ لم يكن يرغب في أن يعترف بجرم خطاياه، فقد كانت الخطيّة، حتّى ذلك الحين، محبّبة لديه، وكان لا يريد أن يفارقها، فتغلّبت عليه وتملّكته.

 

لكنّه كلّما قابل ابناً من أبناء الله، تيقّن مدى افتقاره لما عندهم. وكان عندما يسمع جرس الكنيسة يدقّ مُعلنًا وفاة شخص، يستيقظ ضميره، ويفكّر في الموت. عندئذٍ أصبح مجرّد التّفكير في الاستمرار في الخطيّة يسبّب عذابًا شديدًا لنفسه. فحاول إصلاح حياته. قطع صلته بأصدقائه الأشرار، وألزم نفسه بممارسة أعمال الصّلاح، لكنّه أدرك أنّ كلّ أعمال بِرِّه كخرقة بالية. فصار يفكّر جدّيًّا كيف ينجو من الدّينونة الّتي ستقع عليه بسبب تعدّياته السّالفة. وأدرك أنّه ما لم يحصل على بِرّ المسيح، فلا بِرّه ولا بِرّ العالم كلّه يستطيع أن يخلّصه. فلجأ إلى المسيح، موقنًا أنّه "ليسَ بأحَد غيره الخلاص. لأنْ ليسَ اسمٌ آخَر تَحت السّماء، قد أُعطِيَ بين النّاس، بِه يَنبَغي أنْ نَخلُص" (أعمال 4: 12). ترك طريقه القديم وآمن بالّذي مات لأجله، طلب البِرّ من شخصه وحصل على غفران خطاياه بدمه. لقد فتح المسيح عينيه المظلمتَين لتريا خلاصه، فرأى جمال الرّبّ، وصار يشتهي حياة القداسة، ويشتاق لأن يفعل كلّ ما في وسعه ليمجّد الرّبّ يسوع، ويُكرِم ذلك الإسم المجيد.

 

ماذا يوجد في قلبك؟ الله يعلم. ولكن، هل لديك ذلك الصّديق الّذي يعرف مكنونات قلبك؟ هل فتحت له باب قلبك وطلبت منه أن يرافقك في الطّريق؟

 

إلى مدينة عمّانوئيل

 

وصل "المسيحيّ" و"الرّاجي" إلى نهر عميق، يُدعى "نهر الموت". كان هذا النّهر يفصل بينهما وبين المدينة السّماويّة، ولا سبيل للوصول إلى باب المدينة إلاّ بالعبور فيه.

 

استعدّ السّائحان للعبور، ولمّا دخلا المياه، حاول الشّيطان أن يبثّ الرّعب في نفسيهما لإخافتهما. رأى "المسيحيّ" حياته كلّها تمرّ أمامه، فغاص في المياه العميقة وبدأ يغرق. لكنّ "الرّاجي" أمسك به وجاهد كثيرًا ليرفع رأسه فوق المياه، وحاول أن يخفّف الألم عنه ويبثّ التّعزية في نفسه. عندما لاح باب المدينة في الأفق، أبصرا بعض النّاس واقفين حوله ينتظرون قدومهما، فتشجّعا. ورأى "المسيحيّ" يسوع فتذكّر وعده: "إذا اجتزت في المياه فأنا معك، وفي الأنهار فلا تغمرك". فتشدّدا كلاهما وصار العدوّ جامدًا كصخرة حتّى انتهيا من العبور. لمّا وصلا إلى الشّاطئ الآخر، أتت أرواح خادمة وساعدتهما،  فخرجا من النّهر.

 

للولادة وقت وللموت وقت. وبين هذين الوقتين، حقبة من الحياة، يعرفها الله وحده. ما هي مدّتها؟ نحن لا نعرف. لكنّنا نعرف أنّ وقت الوفاة لا بدّ آتٍ فيجب أن نكون دومًا مستعدّين.

 

يُشَبَّه الموت بنهر عميق سنعبره كلّنا. إنّ الطّريق عبر الموت قد سبق يسوع ومهّده. لقد وعد أن يكون قريبًا منّا، وأنّ شعبه كلّه سيصل سالِمًا إلى السّماء، إلى المدينة السّماويّة، فهو قد سبقنا وأعدّ لنا الطّريق. السّماء هي مكان مُعَدّ لشعب مستعدّ.

 

مدينة عمّانوئيل

 

قال يسوع:" في بيت أبي منازل كثيرة... أنا أمضي لأُعِدّ لكم مكانًا" (يوحنّا 14: 2).

 

اقتاد الملائكة السّائحان إلى البوّابة الذّهبيّة، وهم يخبرونهما عن مجد المكان، أورشليم السّماويّة. عندما وصل "المسيحيّ" و"الرّاجي"، أُعطِيا ثيابًا بيضًا فصار فرحهما عظيمًا وصارا يسبّحان بصوت عظيم. ولمّّا دخلا، رأيا المدينة كلّها تضيء كالشّمس، وكانت شوارعها مرصوفة بالذّهب. هناك لن يريا الأمور الّتي صادفتهما أثناء رحلتهما، فالحزن والمرض والضّيق والموت لن توجد فيما بعد، لأنّ الأمور الأولى قد مضَت والآن كلّ ما تراه أعينهما نقيّ وطاهر. هناك شاهَدا الملِك بكلّ مجده وبهائه، وصارت كلّ أجراس المدينة تدقّ ابتهاجًا مرحّبة بقدومهما. سلّم كلّ واحد شهادته الّتي تسلّمها عند بدء رحلته، ثمّ دخلا كلاهما إلى مقرّهما الأبديّ. هناك سيقضيان الأبديّة يتمتّعان بالمسرّات اللاّمتناهية، وسينالان تعزية عن كلّ أتعابهما، وفرحًا عظيمًا عوضًا عن الحزن. سيحظيان برؤية وجه القدّوس نهارًا وليلاً، وسيخدمانه دائمًا بالحمد والهتاف والشّكر لأجل محبّته العظيمة.

 

بعد فترة وجيزة، وصل شخص آخر إلى باب المدينة السّماويّة، اسمه "الجهل"؛ استطاع أن يعبر النّهر بسهولة على عكس "المسيحيّ" ورفيقه. فقد التقى بصاحب مركب يدعى "الرّجاء الباطل"، أخذه في قاربه وعبر به النّهر وأوصله إلى باب المدينة. وإذ لم يكن أحد في استقباله، ابتدأ يقرع، ظنًّا منه أنّه سيُسمَح له بالدّخول سريعًا. فأطلّ رجال من فوق السّور وسألوه عن شهادته، فأخذ يفتّش ولم يجد شيئًا. عندها، أمر الملك ملائكته بأن يطرحوه في جهنّم.

عاش "الجهل" ومات من دون رحمة الله. لقد اعتقد أنّه يستطيع الوصول إلى السّماء بقوّته الخاصّة وبمجهوده الشّخصيّ. فليكن ذلك تحذيرًا لنا جميعًا.