شبابنا ملء عين الزمن

الموضوع:
العدد:
السنة:

القراءة تُنمّي الذِهن َكما الرياضة تُنمّي الجسد. ولبنان معنيّ ببناء إنسانِهِ صحّة وفكرًا وكرامةً ومجتمعًا. ولا تهدُف فكرتي خلف هذه الجائزة الوطنيّة للمطالعة إلاّ إلى تكريم القرّاء. نعم، ولِماذا لا نُكرّمهم. فنحن نُكرّم الفنانين، والمـُعلّمين، والكتّاب، ودور النشر، لكننا لا نفتكر بمن من أجلهم ابتُكرتِ الأبجديّة.

إنهم المميّزون الذين لا يُقاومون الألزهايمر والخرَفَ وحسب، بل يُقاومون الجهل أيضاً والتخلّف والجمود والسطحيّة والمحدوديّة والتبعيّة والتعصّب وغيرها مما يُصيب المحتجبين عن القراءَة المفيدة. إنّهم المثقفون الذين لا يقبلون أن تأسُر الخرافات الفارغة والتقاليد البالية وأنماط الحياة القاتلة أذهانهم، أو أن تُسْتَرَقَّ أرواحُهم.

واضح أننا في حقبة شرّيرة، قبيحة وخطيرة، كلُّ ما فيها يُحاول ضرب عقلنة الإنسان والحطَّ من قدْرِه. لكنَّ روّاد الصفحات يُبحِرونَ عبرَها إلى أقاصي الأرض، ويتقابلون مع أهل الفكر، فيكتسبونَ منهم الخبرَة والأفكار والخواطر والعادات، ويسمحون لهم في المقابل بأن يؤثّروا بهم تأثيرًا فاعلاً، فتكتمل شخصيّاتهم وتتجمّل بما لا يَقدِر عليهِ أيُّ طبٍّ تجميليّ معاصر. وفي الوقت الذي تُصرَف فيه الأموال على اللهو نقف أمام ثُلّةٍ من الشُبّان والصبايا الذين يبحثون عن كتاب جديد يكتشفون فيه ما يُغيّرُهُم ويترك بصمةَ تمايز في حياتهم.

أحسَستُ في كلّ مقابلة فرديّة مع المشاركين وكأننّي أجالس أحد النبلاء الحكماء الذين سمعنا عنهم في حقبات النهضات الغابرة، ممّن انصرفوا إلى التاريخ والرواية والسِيَرِ الذاتية والآداب والفلسفة والاجتماع والعلوم.... نعم، إنّهم شبيبة لبنان، "ملءُ عينِ الزمن سيفُنا والقلم"، يقفون في مواجهةرياح شرقنا العاصفة السوداءِ ليُبرهنوا، مرّة أخرى، على أنّهم أهلُ حرفٍ ومراكبُ كلماتٍ تعود محمَّلة بِثَرْوات الأمم إغناءً للبلاد واستحياءً لها في زمن الموت والقهر وإذلال الكرامات.

نفرح كثيرًا لأنّهم قرأوا وحلّلوا وفهموا ودرّبوا أذهانَهم واستخلصوا العِبَرَ وناقشوا وحلِموا بتغيير واقع وحياة ومجتمع. هؤلاء هم أبناء العقل الأسمى، أكرَموه باستخدام عقولِهم في كلمات ومعانيَ ومبادئَ مُستفيدينَ من حياة الآخرين وخبراتِهم.

نحتاج، في خِضَمِّ انحطاط هذه الأيام وجنونِها، إلى هؤلاءِ المشاركين في المسابقة ليرتَقوا بشرقِنا وينهضوا بهِ من قعرِ وادٍ يعبُقُ برائحة الموت وبتناثُرِ أشلاءِ الأضاحي المـُقدمّة لإلهِ الدمّ. وحدُها القراءة تمنح محبّي الكلمة هدوء النفس وسلام الروحِ وسعادة العقل ورجاحة الفكر وراحة الجسد ووضوح الرؤيا. وحدُها المطالعة تعطيهم سموَّ الأخلاق ونضج الشخصيّة وغنى الحديث والانفتاح على الآخر واكتساب المفيد منه. وحدُها المعرفة تعطيهم القدرة على رفع راية الحقِّ والحريّة والإبداع والخير والسموّ والجمال والتغيير نحوَ الأفضل.

هؤلاء الشباب، أصدقاء الكتاب، هُم في الحقيقة مُحبّون لأنفسِهمْ يعرِفون صالحَهُم ويبتغون خيرَ أنفُسِهم. يقول راي برادبوري: "المكتبات بَنَتْ نفسي". وما بين المثقفين والكتب عهد محبّةٍ وصداقة والتزام يستفيدُ منهُ القارئ أكثر ممّا يستفيد من مردود الكتاب الكاتب والناشر والموزّع. من المؤكد أنّ هؤلاء الشباب والصبايا سيفيدون المجتمع أكثر من الآلاف من أترابِهِم الرازحين تحت ثِقْل هوايات الكسل والنوم وحبّ الظهور والألعاب الوهميّة والتزلّف للجُهّال. شكرًا لكم أيّها الأحباء لأنكم أعطيتُمونا شرف تكريمِكُم.

**كلمة ألقِيَت في احتفال الجائزة الوطنية للمطالعة في قصر الأونيسكو في بيروت 23 نيسان 2015

AddToAny