صراعات لا بُدّ منها

الكاتب:
العدد:
السنة:

كثيرًا ما نجد نفوسنا نقوم بما لا نرغب فيه، فالتّغلّب على الشّهوة أو الإدمان أو القمار أو العادات السيّئة ليس بالأمر السّهل مهما حاولنا أو رغبنا في ذلك. لماذا خلقنا الله في هذه الطّبيعة الضّعيفة الّتي لا تقوى بسهولة على مقاومة المغريات الدّنيويّة؟ ألا نقدر أن نكون ذا طبيعة غير قابلة للسّقوط!؟ ألا يمكن أن يَسحق الله القدير إبليس وملائكته ويُنهي كلّ أعماله وأفكاره الكامنة وراء كثير من المآسي والآلام في حياة البشر!؟ لماذا يسمح مَن هو قادر على هندسة كلّ الظروف أن نتعرّض لمواقف تُسبّب لنا السّقوط أو الاستسلام زنقع فيها؟ لِمَ لا نقدر على مقاومتها؟

كم مرّة نسمع "أنا أعرف أنّي مخطئ في هذا ولا أريد أن أستمرّ، لكنّي لا أستطيع". ألم يتعرّض الرّسول بولس إلى مثل هذا الصّراع إذ كتب إلى كنيسة روما "لأَنِّي لَسْتُ أعْرف ما أَنا أفْعَلُه، إذْ لسْتُ أفْعَل ما أريدُه، بلْ ما أُبْغِضُه فإيّاهُ أفْعَل" (رومية 15:7). إنّ الجواب عن هذه التّساؤلات ليس بالأمر السّهل، إنّما علينا أن نسأل بعض الأسئلة الأخرى الّتي قد تساعد على إيجاد الحلّ.

أوّلاً، كيف تُمتحن أمانتنا ومحبّتنا لأيّ أمر، وتحديدًا لله، إذا لم نواجَه بتحدّيات على مستويات عالية؟ إنّ محبّة إبراهيم كانت شديدة بقدر ما كانت تجربته قاسية وعنيفة. ونبالة يوسف وبسالته كانت ظاهرة في كلماته الخالدة عند مواجهة التّجربة "كيْفَ أصْنَعُ هذا الشّرّ العَظيم وأُخْطِئ إلى الله؟" (تكوين 9:39). فقد كشفت هذه التّحديّات أعظم الصّفات، وأعطت للأمانة والمحبّة النّظرية نَفَسًا وحياة.

ثانيًا، كيف تنمو الشّخصيّة الرّوحيّة وتأخذ شكلها الأدبيّ من دون تجارب الحياة؟ هذه التّجارب تصنع منّا ما نصنعه فيها. إنّ هدف الله، الّذي خلق الإنسان على صورته ومثاله، أن يَرُدّ له هذه الصّورة الّتي شُوِّهَت عند التّعدّي "لأنّ الّذين سَبَقَ فعَرَفَهُمْ سَبَقَ فعَيَّنَهُمْ ليكونوا مُشابِهينَ صورَة ابْنِه" (رومية 29:8). ففي كلّ مرّة يجتهد حامل الأثقال في رفع الأوزان الثّقيلة، تنمو بعدها عضلاته لتصبح أكثر صلابة. هناك جزء منّا وهو الرّوح الخالدة الّتي يراها الله ويهتمّ بها.

ثالثًا، كيف نستطيع أن نختبر نعمة الله المخَلِّصة والشّافية والكافية إلاّ عندما نكون في أمسّ الحاجة إليها؟ عندما تألّم الرّسول بولس من شوكة في جسده، ونحن لا نعلم بالتّحديد ماهيّتها، تضرّع إلى الرّب ثلاث مرّات من أجلها، فجاءه الجواب "تَكْفيكَ نعْمَتي، لأنَّ قُوّتي في الضُّعْف تُكْمَل" (2كو 9:12). فالكثير ممّا نخسره في هذه الحياة يكون لخيرنا، والكثير ممّا نحصل عليه يتحوّل أحيانًا إلى أذيّتنا.

ليس من حكمة أقوى من أن نثق بأنّ الله صالح وبأنّنا لا نستطيع أن نفهم كلّ مقاصده وطرقه، بسبب محدوديّتنا العقليّة والزّمنيّة والرّوحيّة. لنتحمّل إذًًا مسؤوليّة أعمالنا ومواقفنا ولا نُلقي اللّوم على أحد. فإن كانت التّحدّيات تُفرَض علينا، فالبطولات أو الهزائم نصنعها نحن، فليس هناك ما لا نستطيع أن نرفُضه أو ننتصر عليه، إذا كان المسيح رايتنا، وإيماننا به هو مصدر قوّتنا. قال يَسوع: «إنْ كنْتَ تسْتطيع أنْ تُؤْمن. كُلّ شيء مُسْتطاع للْمُؤْمن" (مرقس 23:9).

AddToAny