صلاة ما بعد الرّؤيا

العدد:
السنة:

القداسة هي من أهمّ الصّفات الّتي تميّز الله. فقداسته هي الّتي تجبرنا على أن نصرخ طلبًا لنعمته ورحمته. وهكذا، تتلاشى كبرياء الإنسان ليحلّ مكانها التّواضع. إنّ اعترافنا بخطايانا لا يكون عميقًا وأكيدًا إلاّ بقدر رؤيتنا قداسة الله بوضوح.

نستطيع دائمًا أن نجد لأنفسنا الأعذار، وأن نُبرّر أفعالنا وتصرّفاتنا عندما نقارن أنفسنا بغيرنا من النّاس، أو حتّى بإخوتنا المؤمنين، فنجد أنّنا لسنا سيّئين أكثر منهم، وهذا ما يقودنا إلى الكبرياء. إنّ المقياس الصحيح للحكم على مدى التزامنا المسيحيّ هو المقياس الإلهيّ، أي كلمة الله، وليس المقياس البشريّ. عندما نركّز على الله القدّوس لا بدّ من أن يكون لسان حالنا ما قاله إشعياء النّبيّ: "ويلٌ لي إنّي هلكت، لأنّي إنسان نَجِس الشّفتَين، وأنا ساكن بين شعب نَجِس الشّفتَين، لأنّ عينَيّ قد رأتا الملك ربّ الجنود" (6: 5).

لقد رأى إشعياء رؤيا عن مدى قداسة الله، جعلته يشعر بانكسار عميق واعتراف صادق وتوبة حقيقيّة. وإذا تأمّلنا في صلاة الاعتراف الّتي نطق بها فإنّنا سوف نجد فيها مبادئ مفيدة لحياتنا الرّوحيّة.

كانت صلاة إشعياء مليئة بالشّفافيّة. في صلاته، لم يحاول أن يؤثّر في الله أو في الآخرين بتقواه أو تديّنه. كان مستقيمًا ومُدرِكًا أنّ الله يعرف أفكار القلب ونيّاته، وأنّ لا شيء خفيّ عن عينَي الله الفاحصتين والممحِّصَتَين. كان يعلم أنّ الحقّ، ولا شيء غيره، هو الّذي يرضي الله، لذلك كان مستعدًّا لأن يعترف بحالة قلبه الأثيم. يعلّمنا مجتمعنا، اليوم، أن نلبس الأقنعة لكي نرضي النّاس ونؤثّر فيهم. وقد تجذّر فينا الأمر، حتّى صرنا نحاول ارتداء أقنعتنا حتّى في أثناء الصّلاة. ولا عجب، إن كانت ملايين الصّلوات الّتي تصعد إلى الله يوميًّا، ويُستجاب منها القليل.

كما كانت صلاة إشعياء محدّدة. كان يعلم أنّ هناك ناحية محدّدة في حياته بحاجة إلى أن يعترف بها. كان لسانه نَجِسًا. والكتاب المقدّس مليء بالإنذارات في موضوع الّلسان والكلام. كان داود ملُِمًّا بفكر الله في هذا الخصوص، لذلك صلّى قائلاً: "لتَكُن أقوال فَمي وفِكرُ قَلْبي مَرضيَّة أمامكَ يا ربّ، صَخْرَتي ووَلِيِّي" (مزمور 19: 14). أمّا الرّب يسوع، فقد رفع مستوى الإنذار حين قال: "إنّ كلّ كلمة بطّالة يتكلّم بها النّاس سَوف يُعطون عنْها حِسابًا يوم الدّين. لأنّك بكلامِك تتَبَرَّر وبكلامِك تُدان" (متّى 12: 36-37).

لقد رأى إشعياء قداسة الله وجلاله ومجده فلم يستطع إلاّ أن يطلب إليه تطهير شفتيه. ليت الرّبّ يُظهر لنا ذاته مثلما فعل مع إشعياء، حتى نستطيع أن نرى أنفسنا على حقيقتها فنُصلّي، وتكون صلاتنا مثل صلاته.