طرق التربية وأساليبها

العدد:
السنة:

يستسلم بعض الناس للقدر ويتركون شؤونهم للأيام وقد يئس من الجهاد والصراع وأعلن هزيمته تاركاً أولاده ينجرفون مع تيارات الزمن عسى أن يستفيقوا عندما يكبرون. شعارهم المثل الشعبي القائل "إبنك إن ما علّمتو الدهر بيعلّمو".  ويستمر الأناس الآخرون في الكفاح إيماناً منهم بانه لا بد للزّرع الجيّد أن يُثمر. لهؤلاء تهنئة خاصّة. نقول لكم: نعمًّا لكم، إستمروا، لا تستسلموا ولا تفشلوا. كما يقول الرب: "من يمنع عصاه يمقت ابنه ومن أحبّه يطلب له التأديب".

أيها الأهل رجاءً لا تستسلموا ولا تيأسوا... وقد وجدنا في العدد السابق أن التربية من دون تأديب مستحيلة.

شروط التأديب

لا بد لنا من التأكيد، قبل الخوض في الطريقة التي يجب أن نستخدمها في التأديب، بأن عملية التأديب يجب أن تتم بدافع من المحبة لا أن تكون بمثابة "فشّة خلق" أو تنفيس عن غضب. فكلّ تأديب لا يترافق مع محبّة كبيرة لا ولن يأتي بأيّة نتيجة إيجابية. وفي وسع المرء، قبل اللجوء إلى التأديب (خاصّة مع الصغار)، أن يحاول تفادي التّصادم والعناد، وذلك بإلهاء الولد وتحويل انتباهه إلى مكان آخر بذكاء وخفّة، تجنّباً للمشاحنة.

عليك أن ترسم بوضوح الحدود لأولادك وتتفاهم معهم عليها. فلا يجوز أن تعاقب الولد على أمرٍ لم تنذره في شأنه من قبل. فمن حقّه أن يفهم مسبقاً ما هو التصرّف المقبول أو التصرّف غير المقبول. لا تفاجئه بقوانين جديدة وتتوقع منه أن يطبّقها تلقائيّا.

يدلّل البعض الصبي ويقسو على البنت أو العكس بالعكس. ساوِ بين الصبي والبنت في التربية لأن القيم والأخلاق واحدة للجميع. والتمييز يخلق الرفض.

تمسّك دوماً بكلامك عندما تنذر الولد بعقاب ما وإلا فقدت احترامه وخسرت صدقيّتك وهيبتك. إثبت على موقف (consistent) وعاقب الولد على الخطأ نفسه في كل مرّة يرتكبه وليس إستنسابيًّا. فالولد ذكيّ وسيحاول تكرار العصيان والتحايل عليك بشتّى الطّرق والأساليب.  

على أيّ تأديب هادف أن يتبعه أيضا شرحٌ ونقاشٌ ليأتي بالنتيجة المرجوّة. لذا  لا بدّ لك بعد أن يهدأ الوضع أن تأخذ الولد بهدوء وتحضنه بمحبّة وتشرح له: "نحن أدّبناك لأننا نحبّك كثيرًا ولصالحك ولو إنّك لا ترى الأمر بهذا المنظور في الوقت الحاضر". وسيبقى هذا الأمر عالقاً في ذهن الولد في المستقبل. وهو سيحتاج كذلك بعد العقاب أن تؤكّد له محبّتك.

على التأديب أن يتناسب مع العمر، ونوع الخطأ، ومزاج الولد وشخصيّته، وقواعد البيت. كما يُفترض أن يكون عادلاً. فالظلم يولّد المرارة. لذا إن أخطأ ابنك خطأً صغيرًا فقد تكتفي بإفهامه عن خطئه. وعليك، إذا أخطأ سهوًا وعن غير قصد، أن تأخذ هذا في الاعتبار. التأديب يصبح ضرورة حين يخطىء الولد بدافع التمرد والعصيان المقصود، وعندما يتحدّى سلطة الأهل، ويصبح هناك صراع سلطة خفيّ بين الولد وأهله: كلمة من ستسود؟ ولمن الرأي الأخير؟

طرق التأديب ووسائله

المكافأة هي أولى وسائل التربية ولها مفعول عجيب. بادر سريعاً إلى مكافأة الولد عندما يطيع ويفعل أمرًا جيدًا. وأهم المكافآت هي الإشادة. أشد به في العلن. زوّده بالمعنويّات وعبّر له عن فخرك به. ولهذا فِعْلُه بأكثر ممّا نظن. قد تلاعبه أو تأخذه في نزهة وربما تقدّم له هديّة (عندما يستحق الأمر ذلك). وإحدى الطرق الناجحة التي يمكنك استخدامها مع صغيرك هي في أن تضع له علامات بحسب الأيام. فمثلاً تضع لهx  إذا فعل أمرا بشعًا و OK  إذا كان مطيعًا. وكلّما جمع عددًا من النقاط v يحصل على مكافأة... وهكذا. كن مبدعًا وأعطه حافزًا مرئيًّا منه.

طالب الولد باعتذار لفظي صريح. فالاعتذار أهم ناحية من التأديب لأنه يحمل الولد على التوقف ليحلّل خطأه، يقرّ به، ويتعهّد بعدم تكراره. هذا مهم جدًّا.

يحقّ لك استخدام التّوبيخ. لكن التوبيخ المفيد لا يعني الصّراخ بل العكس تمامًا. قل كلمتك بحزم وصلابة وأقرنها بالتحذير. فكثيرًا ما يأتي هذا بنتيجة إيجابيّة خصوصاً متى عرف الولد أنك جادٌ في تحذيرك وتطبّق القول بالفعل. أما إذا كنت ممّن ينذرون ويهدّدون من دون فِعل فلن يكترث بك الولد أبدًا ولن يعير كلامك أي اهتمام. من هنا نلاحظ أنّ بعض الأهل يردّدون الكلمة نفسها عشرات المرّات من دون جدوى.

عليك أحيانًا أن تترك الولد يحصد النّتيجة الطبيعيّة لأفعال، بشرط ألا يؤدي الأمر إلى أذيته. فلو كسر الولد لعبته، مثلاً، بسبب الإهمال بعد أن حذّرته من الأمر مرارًا، أتركه من دون لعبة ولا تعوّض عليه بشراء أخرى. ولا لزوم لقصاصٍ إضافي. يكفيه ما حدث. وأنت بذلك تعلّمه أنّ لكلّ أمر عواقبه وتزرع فيه روح المسؤولية.

استخدم القصاص المباشر: عليه أن يتلقى العقاب على كل عصيان وتمرّد مقصودين أو تحدّ لسلطتك، وذلك بألا تعطيه، مثلاً، لعبة أخرى قبل أن يرتّب اللعبة المستخدمة. ولو طلبت منه أن يفعل أمرًا ما ورفض وتواقح عليك، فقد تمنعه عن اللعب كليًّا ليوم أو أكثر بحسب حجم الوقاحة لكي يتعلّم الطاعة والاحترام...

وقد تعاقبه بالامتناع عن التكلّم معه لتظهر له انزعاجك منه. وهذا يعني الكثير للأولاد خاصة من يتمتّعون منهم بعلاقة جيّدة مع أهلهم.

بالامكان حرمان الأولاد الأكبر سنًّا من صلاحيّات معيّنة. اختر قصاصات مفيدة. فمثلاً إن تلهّى الولد ولم يدرس امنعه عن مشاهدة التلفزيون أو ألعاب الكمبيوتر. يجب أن يُحرم من أمرٍ يحبّه كثيرًا وطبّق القصاص فوراً ليأتي بنتيجة، لأنه ليس للقصاصات البعيدة الأمد النتائج نفسها.

قد تعاقبه بالجلوس لوحده في مكان مملّ جدًا لكن غير مخيف. لا تحبسه في غرفته مع كلّ ألعابه، فهذا ليس بقصاص.

وماذا عن الضرب؟

يُحذّر في أيّامنا من استخدام الضرب بسبب ازدياد حالات التعنيف الخطيرة والمرفوضة للغاية. ولكن كلمة حق تقال أن الكتاب المقدس ليس ضد استخدام الضرب انّما هو ضد التعنيف. إذا ضربت ولدك (حتما تحت سن العاشرة فقط) فيجب أن يتم ذلك في شكل محدود جدًّا وبشروط قاسية وانضباط شديد. اضربه فقط على القفا وليس على الوجه أو أي مكان آخر، وافعل ذلك مكان منعزل حتى لا تكسر شخصيته. وليكن ذلك في الحالات القصوى فقط. فمثلاً لو ضرب الولد أخيه ليؤذيه، أو إذا كان سيؤذي نفسه، أو إن أفلت من يدك وركض نحو الطريق، فيجب أن يعرف عندها أنه سينال الألم نفسه. وعلى الأهل العصبيّين الذين يميلون إلى العنف ولا يستطيعون السيطرة على أنفسهم أن يمتنعوا عن هذه الوسيلة بالمطلق.

نتيجة التأديب

ويسأل الأهل، هل من فائدة مرجوّة من التأديب؟ قد تطول الأيّام قبل أن يلمس الأهل ما يرجونه من تأديب أولادهم. لكن تمرّ السنون ويكبر هذا الولد ليصبح شابًّا او شابّة يفخرون به أو بها. يصبح إنسانًا نافعا لعائلته، وللمجتمع وللرب. كلمة للأهل: تشجّعوا فوعد الرب لكم صادق وأمين، "ربِّ الولد في طريقه فمتى شاخ أيضا لا يحيد عنه".