طريق الرّوح القدس

الموضوع:
العدد:
السنة:

قليلون يعرفون أن للرّوح القدس عملاً مباشرًا لخلاص البشر. فروح الله يُبكّت النّاس على خطاياهم ولا يدعهم يرتاحون بسببها، إلى أن يتوبوا ويطلبوا من المسيح أن يُخلّصهم منها (يوحنّا 16: 8). لكن، إنْ تجاوَبَ الإنسان مع عمل الرّوح الإلهيّ وطلب الخلاص، جعله يختبر الولادة الثّانية والتّجديد الرّوحيّ فيصير خليقة جديدة يسكن فيه "الرّوح المُعزّي" وينال الحياة الأبديّة بفضله أيضًا (يوحنّا 3: 3-8؛ 14: 16-17؛ تيطس 3: 4-5). يستخفّ بعضهم بهذا الاختبار الفائق ناسين أنّ مَن لا يسكن فيه الرّوح القدس يبقَ من دون المسيح (رومية 8: 9؛ 1كورنثوس 12: 13).

ويتميّز المؤمن المولود ثانية بختم الرّوح القدس لحياته، كما قال بولس الرّسول: إنّ الله "ختَمَنا أيضًا، وأعطى عربون الرّوح في قلوبنا" (2كورنثوس 1: 22). وكأنّ الرّوح القدس يقول في هذا الختم: "هذا ملك لي، أنا أحميه وأحفظه لليوم الأخير". ويعرف المؤمن في داخله هذه الحقائق بفضل شهادة الرّوح الإلهيّ لِروحهِ الإنسانيّة أنّه صار "ابنًا لله" (رومية 8: 16؛ غلاطية 4: 6). هكذا نختبر ونفهم التّعليم المسيحيّ القديم، "إنّ المسيحيّ لا يولد (من بطن أمّه) مسيحيًّا بل يُصيَّر (بالولادة الثّانية من الرّوح القدس) مسيحيًّا" (ترتوليان، 220 ب. م.). وهذا التعليم يُفسّر القاعدة المثبتَة في إنجيل يوحنّا 1: 12 و13 حيث جاء: "وأمّا كُلُّ الّذين قبلوهُ (المسيح) فأعطاهُم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمِهِ. الّذينَ وُلِدوا ليس من دمٍ، ولا من مشيئةِ جسدٍ، ولا من مشيئة رجلٍ، بل من الله". لو أردنا أن نلخّص الخطوات الّتي يُجريها الرّوح القدس في الإنسان فتكون على الشّكل التّالي: يقتاده إلى التّوبة وتسليم الحياة لله بالإيمان بيسوع المسيح، فيختبر الولادة الثّانية والتّجديد الرّوحيّ، ويصير ابنًا لله يسكن فيه الرّوح القدس.

وبعدها لا يترك الرّوح الإلهيّ "المؤمن-الابن" في حالة ركود روحيّ، بل يستخدمه ضمن برنامج الخدمة الخاصّ بالمولودين ثانية، "لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقينَ في الْمَسيح يَسوعَ لأَعْمالٍ صالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ الله فأعَدَّها لِكَيْ نَسْلُكَ فيها" (أفسس 2: 10). ويملأ المؤمن ليشهد للمسيح أمام جميع النّاس، وحتّى أمام مُضطهديه، "لأنْ لَسْتُمْ أَنْتُم الْمُتَكَلِّمينَ بَلْ روحُ أَبيكُم الَّذي يَتَكَلَّم فيكُمْ" (متّى 10: 20).

ولكي لا تغرق حياة المؤمن في الرّتابة الدّينيّة، يوصيه الوحي: "امتلئ بالرّوح القدس" فيملأك غبطةً وترنيمًا وانتصارًا (أفسس 5: 18-19). ولئلاً يعثر في الشّهوات فتقوى عليه، يدعوه ليسلك بالرّوح لِيقوده ليعيش "بحسبِ الرّوحِ" ويُثمر "ثمر الرّوح" الّذي هو "محبّة فرح سلام، طول أناة لطف صلاح، إيمان وداعة تعفّف" (غلاطية 5: 16-18، 25؛ رومية 8: 1). يا لروعة الحياة في رعاية "مسحة (الرّوح) القدّوس" الّتي تُعلّم المؤمن كلّ ما يحتاجه ليثبت في الله (1يوحنّا 2: 20، 27).

يبقى أنّ مَن سكنه الروح القدس وصار هيكلاً له (1كورنثوس 3: 16-17) يخاف أن يُحزن روح الله القدّوس إذ به خُتِم إلى يوم الفداء (أفسس 4: 30). فالوقوع في الخطيّة والاستمرار فيها يُطفئ عمل الرّوح وتأثيره في الحياة (1تسالونيكي 5: 19)، فإن أحسّ المؤمن بالضّعف والفتور الرّوحيّ يغزوان حياته، اعتمد على الرّوح القدس الّذي "يفحص القلوب" و"يشفع بالقدّيسين أمام الله" (رومية 8: 26-27). يبقى أنّ طريق الرّوح القدس هو عكس طريق الجسد. الأوّل يقود إلى العلاء والثّاني يُسقط إلى الهاوية. فهنيئًا لمن يقبل روح الله في حياته.