طلاق الأبوين وأثره في الأولاد

العدد:
السنة:

يُعتَبَر الطّلاق إحدى المشكلات الاجتماعيّة الخطيرة، وهو ظاهرة عامّة في جميع المجتمعات الشّرقيّة والغربيّة. تُشير الإحصائيّات إلى أنّ نسبة الطّلاق ارتفعت جدًّا في الأزمنة الحديثة. ففي السّعوديّة هناك مليون ونصف امرأة عانس، وفي مصر تقع حالة طلاق كلّ 6 دقائق. كما يُشكّل المطلّقون في الولايات المتّحدة الأميركيّة نسبة 1 إلى 3 من المتزوّجين، و %30 من العائلات تعيش حالة الأسرة المنفردة. مَهما تعدّدت الأسباب في هذا الانفصال فالنّتيجة واحدة، ألا وهي تدهور الرّوابط العائليّة وما يَنتج منها من تأثيرات سلبيّة في الأطفال، بدءًا من الاضطرابات النّفسيّة إلى السّلوك المنحرف.

أسباب الطّلاق

معظم حالات الطّلاق يكون بعد فترةٍ طويلةٍ من الزّواج المحبَط والصّراعات داخل العائلة. وللطّلاق أسبابٌ عديدةٌ تختلف من مجتمعٍ إلى آخر. ومِن أهمّ هذه الأسباب التّسرّع في اختيار شريك الحياة، من دون الأخذ بعين الاعتبار التّقارب الفكريّ والثّقافيّ وتشابه البيئة والعادات وتوافق الشّخصيّات والطّباع. كما أنّ ارتداد البشر عن الإيمان الحقيقيّ سهّل عمليّة الطّلاق، إذ لم يَعُد هناك خوف الله في قلوبِهم ليعملوا على ترميم بيوتهم بحسب التّعاليم الإلهيّة. ولا بدّ من أن نذكُر أيضًا زيادة الأنانيّة وعدم التّضحية، وعدم مراعاة حقوق الطّرف الآخر ومشاعره. بالإضافة إلى ضعف الثّقافة في الحياة الزّوجيّة، والافتقار إلى الاحترام ولغة الحوار الهادف والبنّاء، والتّشبّث بالرّأي، وفقدان المصارحة، وانعدام الثّقة، وازدياد الشّكّ والغيرة بين الزّوجين. كما أنّ إصابة أحد الطّرفين بأمراضٍ نفسيّةٍ ورَفْضِه للعلاج، يدفع الطّرف الآخر إلى اتّخاذ قرار الطّلاق إذ لا يستطيع الاستمرار في جوٍّ عائليٍّ مضطرب. وقد يكون عمل المرأة خارج البيت سببًا مهمًّا يُؤدّي إلى إهمالها بيتها وتقصيرها في رعاية أولادها وفي واجباتها نحو زوجها. ولأنّها أصبحت مستقلّة ماديًّا وقادرة على إعالة نفسها، فما من سببٍ يدفعها إلى التّراجع عن قرارها بالطّلاق.

نتائج الطّلاق

للطّلاق نتائج اجتماعيّة ونفسيّة خطيرة على الأسرة والمجتمع. فالأبناء هم الضّحيّة الأولى، إذ ليس هناك ما هو أخطر على نموّهم وعذاباتهم النّفسيّة وشعورهم بالضّياع والتّشتّت وفقدان الهدف والصّواب، ثمّ تفاقم المشاكل المتنوّعة لديهم وانحرافهم في المجتمع، من الأسرة الممزّقة نفسيًّا واجتماعيًّا بالنّزاعات والشّجارات والمصادمات اليوميّة وصولاً إلى الطّلاق. فيعيش الأبناء حياةً نفسيّةً مليئةً بالغضب والإحباط والشّعور بالحزن والآلام، مع عدم القدرة على فعل أيّ شيء. وهنا، لا بدَّ من التّوقّف عند هذه النّقطة ومعالجتها.

كيفيّة استجابة الأبناء لخبر الطّلاق

يحاول الأبناء في بادئ الأمر اللّجوء إلى الإنكار، فيُقنِعون أنفسهم بأنّ لا مشكلة بين والديهم ويرفضون التّحدّث عن هذا الأمر. ثمّ تبدأ المشاعر المؤلمة بالظّهور فيشعرون بأنّهم مسؤولون عن الطّلاق بسبب تمرّدهم أو علاماتهم المتدنّية، أو يشعرون بالسّخط والمرارة لأنّهم لا يريدون أن ينفصلوا عن أحد والديهم أو جدودهم أو أحد الأقرباء. وقد يقلقون على مستقبلهم العائليّ والمهنيّ. أو قد يشعرون بأنّهم غير محبوبين وعديمي القيمة ومرفوضين لمجرّد أنّ والديهم لم يفكّرا في مشاعرهم. وقد يشعرون بالكسل وقلّة الاندفاع إلى القيام بأيّ شيء. أو قد يشعرون أيضًا بالعجز واليأس لعدم قدرتهم على ردّ عقارب السّاعة إلى الوراء وتغيير فكر والديهم وإصلاح الوضع. أو قد يشعرون بالعزلة والوحدة والانطواء وحتىّ الانفصال عن الله. لكنّ بعضهم قد يشعر بالارتياح لهذه الفكرة في حالات العنف الشّديد. ففي كلّ الأحوال، من المفضّل أن يعي الأبناء حقيقة مشاعرهم ويتعاملوا معها على النّحو الأنسب. ولاجتياز هذه المرحلة، عليهم اللّجوء أوّلاً إلى الله والتّمسّك بكلمته المعزّية، ومن ثمّ التّحدّث عن مشاعرهم مع الأهل وطلب المساعدة والدّعم والتّشجيع من أناسٍ يثقون بهم كالمرشد الرّوحيّ في الكنيسة أو أحد الأصدقاء المقَرَّبين.

نصائح عمليّة

ولأنّ الطّلاق صار أمرًا واقعًا، فلا بدّ من توجيه بعض النّصائح العمليّة الّتي يُستَحسَن أن يقوم الأهل بها للتّخفيف من وطأته ومراعاة مشاعر أبنائهم. شارِك أولادك الجوانب الحسنة في زواجِك، وأكّد لهم أنّهم ليسوا السّبب في الطّلاق أو الانفصال، يجب ألاّ يشعروا بالذّنب. تجنّب انتقاد الطّرف الآخر أو لومه أو الغضب والمرارة منه والتّقليل من شأنه، أمامهم، كي لا يؤدّي هذا الأمر إلى تدميرهم نفسيًّا. تجنّب أيضًا تشجيعهم على التّحيّز أو إعطاءهم إنطباعًا بأنّ أحد الوالدين كان ضحيّةً للآخر، فمن الضّروريّ أن يستمرّ الأولاد في احترام كلا الوالدين، فهذا يساعد على تماسك نموّهم النّفسيّ والاجتماعيّ. تجنّب أيضًا الحديث عن الأمور والمصاريف الماديّة ممّا يُشعِرهم بالقلق لعدم قدرة المعيل على تسديد احتياجاتهم الخاصّة.

أخيرًا، لا بدّ من القول إنّ وجود اختلافات ومشاكل في العلاقة الزوجيّة هو أمر طبيعيّ، لكن، من المهمّ احتواء هذه الأمور وعدم السّماح لها بأن تتضخّم. كذلك من المهمّ مدّ جسور الودّ والثّقة، والتّحليّ بالصّبر والأناة والمرونة لتقبّل الطّرف الآخر وتصحيح ما يمكن تصحيحه، ممّا يُشكّل حلاًّ واقعيًّا ووقايةً من التّفكّك الأسريّ والاجتماعيّ، كما يُشكّل جوًّا هادئًا وحميمًا للأبناء، وهذا بالطّبع يتطلّب خبرةً ومعرفةً ونضجًا يفتقده كثيرون. وتبقى حماية الأولاد الحقيقيّة هي في البيوت المتّحدة، حيث أجواء المحبّة والحماية والدّفء والسّلام والبركة المبنيّة على قول المسيح: "فالّذي جمعه الله لا يفرّقه إنسان" (متّى 19: 6).

AddToAny