ظاهرة المنغوليّة متلازمة "داون" Down Syndrome

العدد:
السنة:

من أصعب الأمور الّتي يمكن أن تواجه أيّ أسرة هي أن تكتشف أنّ مولودها الجديد هو معاق، فتُصاب بصدمة وإحباط بعد أن كانت تنتظره بآمال كبيرة. وفي كلّ الأحوال، إنّ قدوم طفل جديد إلى العائلة يعني عمليًّا المزيد من الالتزامات الماليّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة الملقاة على عاتق الأهل، فكم بالحريّ يكون الأمر مع طفل ذو حاجات خاصّة.  

تباينت ردود فعل الأُسَر مع هذا الوضع. فمنها مَن يقبل الوضع ولكن مع تزايد الأعباء والضّغوط تفقد القدرة على الاحتمال؛ ومنها مَن يُنكِر ويُحاول إثبات سلامة الطّفل ومع الوقت ينسحب ويبتعد عن محيطه ويُبعِد الطّفل عن أنظار النّاس؛ ومنها مَن يتقبّل الأمر ويُحاول أن يبحث عن الحلول فيطلب الإرشادات والتّدريبات المناسبة ليُساعد ولده. ومهما كان الأمر، فإنّ الدّراسات أثبتت أنّ الأُسَر الأكثر تماسكًا ووعيًا هي القادرة على تقبّل هذا الطّفل الغالي وتفهّمه.

إحدى الإعاقات الّتي تُصيب المولودين الجُدد هي "متلازمة داون" أو "المنغوليّة". بالإشارة إلى الطّبيب البريطاني "جون داون" الّذي أوضح خلل هذا المرض. "المنغوليّة" هي مرض خلقيّ ينتج بسبب خلل في عدد الكروموزات الّتي يأخذها الجنين من أمّه في أثناء تكوينه، فيؤدّي إلى تشوّهات جسديّة وإعاقة عقليّة. لا أسباب معروفة خلف هذا المرض، ومن الأكيد أنّ لا علاقة له بمرض أو غذاء ما؛ أمّا العامل الوحيد المُثبَّت علميًّا فهو ارتباط هذا المرض بعمر الأمّ. أمّا نسبة حدوث هذا الخلل فهي 1 لكلّ 700 مولود تقريبًا، وتزداد النّسبة مع تجاوز عمر الأمّ الخامسة والثّلاثين سنة، بحيث تصبح 1 لكلّ 100. لا يُعتبر المرض وراثيًّا، إنّما إصابة طفل واحد يزيد من احتمال التّكرار لكن بنسبة ضئيلة جدًّا أيّ 1-2% فقط.

ومن الخصائص العامّة لهذه الفئة، أنّ الإعاقة تتناول عدّة نواح منها جسديّة لناحية التأخّر في النّموّ الجسميّ مع إمكانيّة وجود تشوّهات سمعيّة، أو بصريّة، أو حسيّة أو حركيّة. وهناك مشاكل عقليّة، اذ يتمتّع هؤلاء الأولاد بذكاء أقلّ وتأخّر في النّطق وضعف في الذّاكرة وعدم المقدرة على التّعلّم مقارنة مع نظرائهم. ويُرافق هذه الظّاهرة تأخّر اجتماعيّ لناحية الضّعف في التكيّف الاجتماعيّ والانعزاليّة والعدوانيّة. وهناك جروح عاطفيّة وانفعاليّة، كعدم الاتّزان والاستقرار وكثرة الحركة، ترافق هذه الحالات أزمات سلوكيّة ونفسيّة حيث تكون لكلّ منهم حالته الخاصّة. وبشكل عامّ، الذّكر المنغوليّ عقيم لكنّ الأنثى قد تَحمِل وتَلِد. أمّا معدّل أعمارهم فغير أكيد، لكنّ أسباب الوفاة الباكرة متعدّدة بسبب مشاكل عضويّة قد تُصيبهم كمشاكل القلب والسّرطان والالتهابات وغيرها.

لا شكّ في أنّهم فئة خاصّة من المجتمع لا تملك القدرة على تلبية دورها الطّبيعيّ في الحياة، وتتطلّب تكيّفًا خاصًّا مع البيئة الّتي تعيش فيها. لكنّهم أشخاص ذوو كيان خاصّ، ويُسهمون بدورهم في مختلف الوظائف الاجتماعيّة والعمليّة، وهم ليسوا أقلّ قيمة أو إنسانيّة من نظرائهم الطّبيعيّين. يجب ألاّ يخفى عن أذهاننا كم من العباقرة المعاقين توصّلوا إلى الإبداع في حياتهم على الرّغم من إعاقتهم، وكان لعملهم الأثر الطيّب والإيجابيّ في المجتمع.

عند ولادة هذا الطّفل يسأل الزّوجان عن الذّنْب الّذي اقترفاه ليعاقبهما الله هكذا. هل وُلِد الطّفل هكذا لسبب خطيئة عملاها؟ ويتساءلان، أما كان يجب أن نقوم بالفحوصات اللاّزمة عند الحمل لمعرفة ما إذا كان الجنين مصابًا بأيّة إعاقة حتّى يتمّ إجهاضه قبل ولادته؟

يُقدّم الكتاب المقدّس أجوبة عن هذه الأسئلة، فيقول الرّبّ يسوع إنّ المولود معاقًا لم يُولَد كذلك لسبب خطيئة ما ارتكبها أهله، بل وُلِد كذلك إنّما ليظهر عمل الله فيه (يوحنا 9). ويُجيبنا الله عن السّؤال الثّاني في خروج 4: 11 "مَن صَنَع للإنسان فَمًا؟ أو مَن يَصنَع أخْرَس أو أصَمَّ أو بَصيرًا أو أعمَى؟ أما هو أنا الرّبّ"، وأكّد لنا الأمر الملك داود في المزمور 139: 15-16 "لم تَختَفِ عنكَ عِظامي حينَما صُنِعتُ في الخفاء، ورُقِمتُ في أعماق الأرض. رَأَتْ عيناكَ أعضائي، وفي سِفْرِك كلُّها كُتِبَت يَومَ تَصوَّرَت، إذ لم يَكُن واحِدٌ منها". فهل نسأل أو نُشير على الرّبّ في ما تعمل يداه؟ أو هل نُخاصم جابلنا ونقول له ماذا تصنع؟ أو نتمثّل بأيّوب الّذي، على الرّغم من كلّ مصائبه، قال: "أالْخَيْر نَقبَل من عند الله، والشَّرّ لا نَقبَل؟" وهنا نتعلّم أن ننحني بتواضع أمام إرادة الله من نحو هذا الطّفل كأيّ طفل آخر صحيح في العائلة. فكلّ عطيّة هي من عند الرّبّ، وكلّ عطاياه صالحة.   

وإنْ شَعَر الأهل بثقل المسؤوليّة على كاهلهم، وهي لا شكّ كبيرة جدًّا، فليثقوا بوعد الرّبّ في أنّه لا يسمح بالتّجربة فوق الطّاقة، وهو يمنح النّعمة والمواساة في حينه لِمَن هو بحاجة إليها لكي يستطيع أن يحتمل. فبفضل أطفالهم، ومن خلال خدمتهم، يتحلّون بالفضائل وينالون البركات غير المتوقّعة من خلال احتمال أولادهم أصحاب الحاجات الخاصّة ومحبّتهم وخدمتهم... وهو يقول لهؤلاء الأهل: "تعالَوا يا مُباركي أبي، رِثوا الملكوت المعَدَّ لكُم منذ تأسيس العالم. لأنّي جِعتُ فأَطعَمْتُموني. عَطِشتُ فسَقَيْتُموني... كنتُ مَريضًا فزِرْتُموني" (متى 25: 34-36). فإن كانت زيارة مريض يمدحها الرّبّ، فكم بالحريّ خدمته؟ فمحبّة هؤلاء الأطفال هي البلسم الّذي يشفي قلوب الأهل المجروحة.

من ناحية أخرى، على الأهل أيضًا أن يتعاملوا مع أولادهم المعاقين بالطّريقة ذاتها الّتي يُعاملون فيها أولادهم الطّبيعيّين. فيُنمّوا فيهم بعض المواهب الّتي يُمكن أن يمتلكوها، ويُعلّموهم بعض الأساسيّات لخدمة أنفسهم. في بعض الحالات، بإمكان الطفل ذي الحاجة الخاصّة أن يتعلّم مهنة أو حرفة بسيطة. وعلى الأهل أن يُعلّموا هؤلاء الأولاد الصّلاة، ويُخبروهم الكتاب المقدّس، وإن لم يعوا قدرة استيعابهم لهذا الأمر. من أجمل ما سمعت، قصّة عن مأوى متخصّص بالاهتمام بالأولاد المُعاقين في "اسكوتلاندا"، حيث كانت تُتلى عليهم قصص الكتاب المقدّس بترانيم مع حركات اليد، وكانت إحداها تتناول التّعليم عن الثّالوث وتقول "ثلاثة في واحد وواحد في ثلاثة، والّذي في الوسط مات لأجلي". Three in One & One in Three, and the One in the middle died for me

لم يدرِ أحد مدى فهم الأولاد لهذه التّرنيمة. وفي إحدى اللّيالي، احترق المركز ولاقى العديد من الأطفال حتفهم، ووُجِد أحدهم ميتًا وهو متعلّق بأصبعه الثّاني... فنعمة الرّبّ تلمس كلّ القلوب وحتّى الأطفال المعاقين.

ولربّما أكثر ما يُساعد الأهل على تخطّي هذه الصّعوبات هو السّجود للخالق وسامع الصّلاة (المزمور 65: 2)، القادر وحده على أن يعطي الأمل والرّجاء ويعزّي القلوب (المزمور 27: 14)، لأنّه "اختار الله جهّال العالم ليُخْزِيَ الحكماء. واختار الله ضعفاء العالم ليُخْزِي الأقوياء. واختار الله أدنياء العالم والْمُزْدَرى وغير الموجود ليُبطِل الموجود" (1كورنثوس 1: 27-28).

الحياة مثال رائع عن أهميّة الإرادة والتّأهيل الّذي يمثّل العمود الفقريّ لتدبير المعاقين، إذ أنّ المعاق الحقيقيّ ليس مَن لديه إعاقة جسديّة أو عقليّة، إنمّا مَن لا يحترم الآخرين ولا يقدّر عواطفهم ومشاعرهم.

 
 
 
 

 

توصيات الأخصائيّين للأهل للتّعامل مع الأطفال المعاقين

-       قبول إرادة الله وعدم الشّعور بالألم والحسرة.

-       الاعتماد على مساعدة الأخصائيّين وطلب الدّعم والتّوجيه لإيجاد البرامج المفيدة في المراكز المتخصّصة لهم.

-       التّأهيل من خلال برامج تدريب، وبخاصّة خلال السّنوات الخمس الأولى من العمر.

-       عيش الحياة بشكل طبيعيّ قدر الإمكان، وعدم إهمال أخذ أقساط من الرّاحة.

-       التزام سياسة موحّدة مع أفراد الأسرة في التّعامل معهم.

-       عدم الخجل من انتمائهم للأسرة، وعدم إيقاع الأسرة تحت وطأة هذا الأمر، والحفاظ على نظام حياة الأسرة ككلّ.

-       عدم المبالغة في الآمال في تطوير قدراتهم، فمراكز التّدريب الخاصّة بهم يمكنها المساعدة ضمن قدرة الطّفل.

-       اعطاؤهم فرصة للتّعلّم وتعزيز جهودهم للاعتماد على أنفسهم وتنمية الاستقلاليّة الذّاتيّة لديهم بما ينتاسب مع قدراتهم.

-       البحث عن نقاط التّميّز لديهم، وتطوير إمكاناتهم ومواهبهم ليصبحوا أعضاء فعّالين في المجتمع.

-       تقبّلهم واحترامهم والاعتراف بإعاقتهم.

-       مدحهم وتشجيعهم باستمرار، وعدم الإسراف في تدليلهم أو التّقليل من الثّناء عليهم.

-       تجنّب الاستهزاء بهم أو إظهار التّذمّر منهم.

-       إيجاد نظام في حياتهم يقلّل من التّغييرات ويؤمّن الثّبات والاستقرار النّفسيّين.

 

 
 

بعض المتفوّقين والعباقرة المعاقين

بيتهوفن الموسيقيّ المبدِع والأطرش.

لويس باستير الكيميائيّ المشلول.

لويس برايل الّذي ابتكر طريقة القراءة بالأحرف البارزة للعُمي وهو كفيف.

هيلين كيلر الكاتبة العمياء والصّمّاء والبكماء.

ألبرت أينشتاين العالم الفيزيائيّ، لم يتكلّم حتّى سنّ الثّلاث سنوات ولم تكن لديه القدرة على التّعبير بالكلمات أو حتّى فهم الرّياضيّات في المدرسة.

إديسون عالم لم تكن لديه القدرة على القراءة حتّى الثّانية عشرة.

جورج واشنطن سياسيّ كبير لم تكن لديه القدرة على تهجئة الكلمات، حتّى أنّ أخاه كان يرى أنّه يصلح لأن يكون عامل تنظيفات فقط.

سفيفن هوكينغ أكبر عبقريّ وعالم فيزيائيّ في العالم. منذ ولادته أصبحت أعضاءه تُشلّ واحدة تلو الأخرى حتّى غدا مشلولاً تمامًا، ما عدا إصبع واحد استخدمه لوضع نظريّاته الفيزيائيّة، حيث قام ببرمجة حركة أصابعه مع علماء آخرين لترجمتها على شكل كلمات تخرج من كرسيّه الموصول بحاسوب. وبعد شلل أصبعه الأخير أصبحت رموش عينيه تُتَرجَم أحرفًا وكلمات.

 

 

 

 

 

 

 

 

AddToAny