عسل العالم...مُرّ

الكاتب:
العدد:
السنة:

"أمّي هذه أجمل لعبة رأيتها في حياتي! أبي أرجوك اشترِها لي! سأصبح أسعد ولد وسألعب بها دائمًا ولن أشعر بالضجر بعد الآن". هذا ما قاله ابني أثناء تسوّقنا في أحد المتاجر الكبرى في العاصمة. عدنا أدراجنا وولدي يحمل لعبته الجديدة وهي كناية عن درّاجة ناريّة صغيرة يقودها رجل متحرّك والابتسامة تعلو وجهه. قضى حوالى الساعة وهو يستمتع باللّعب فيها ما لبث أن شعر بعدها بالضجر. فأخذته جانبًا وقرأت له ما قاله سليمان الحكيم في سفر الأمثال 7:27 "النّفس الشّبعانة تدوس العسل وللنّفس الجائعة كل مرّ حلو". وقلت: "ليس الخطأ في أنّك اشتريت اللّعبة فمن حقّك أن تلعب وتتمتّع. لكن شعورك السريع بالضجر يثبت أنّ ما من شيءٌ في هذه الدّنيا سيعطيك الفرح والشّبع الحقيقيين لأنّ مصدرهما واحد وهو في شخص المسيح. فإن امتلأت حياتك من محبّة الرّب وغفرانه، وأثْرَت بكلامه وبالشّركة الطيّبة معه، ستدوس على كل مباهج هذا العالم، وإلاّ ستجد نفسك تركض وراء كل ما يبدو جميلاً ولو إنه سينغّص عليك حياتك في النّهاية ". لا أعلم مقدار استيعاب ابني ذي الثمانية أعوام لهذه الكلمات لكنّي متيقّنة من أنّه عرف أنّ يسوع هو المصدر الوحيد للفرح الحقيقي.

ألا يحدث الأمر نفسه معنا نحن الكبار؟ فكم من شابِّ وشابّة يسعون لشراء أحدث السّيّارات واقتناء أجمل جهاز خلوي، وارتداء الثيّاب ذات الماركات العالمية وارتياد أفخر الملاهي ظنًّا بأنّ هذه الأمور ستمنحهم الاكتفاء؟ لكنهم سرعان ما سيشعرون بالفراغ ويطلبون المزيد؛ والنتيجة أنهم يغرقون أنفسهم في الرغبات الجسدية والمادية التي تؤدي إالى مزيد من الفراغ ومن ثم إلى الهلاك.

نعيش اليوم في مجتمع مادّيّ يسعى فيه معظم الناس عن الربح السريع بغضّ النّظر عن الوسيلة. ويهدفون إلى إشباع رغباتهم الجسديّة فيدمنون على الصّور والأفلام الإباحيّة ويُغرقون أنفسهم بممارسات جنسيّة متعدّدة، ويفقدون عذريّتهم تحت شعار الحرّيّة الشّخصيّة والتّمدّن. يدمنون على السّهر ويفرطون في شرب الكحول والتّدخين والنّرجيلة، ويذهب بعضهم حتى إلى تعاطي المخدّرات...

نبحث عن الفرح الحقيقي وإشباع النّفس، والنّتيجة هي ازدياد في حالات الطّلاق وتفاقم المشاكل والاضطّرابات النّفسيّة وارتفاع في نسبة الإنتحار، ليس في لبنان وحسب بل انه أيضاً وضع العالم بأسره حتّى في أكثر البلدان أمنًا وسلامًا. وهو ما يفسر لنا نسب الإنتحار المرتفعة عند المشاهير الّذين بحثوا عن السّعادة في هذا العالم كأنّه سراب ركضوا إليه فهرب منهم.

لا يستطيع المال ولا الشّهوة ولا الممتلكات أن تُشبع قلب الإنسان، فهذه كلّها أشبه بآبار مشقّقة لا تضبط ماء. لا يمكن العالم إشباعنا بالفرح لأنّه يفتقده وفاقد الشّيء لا يعطيه. سمعت مرّة هذه العبارة ولم أنسها "إن الله خلق قلب الإنسان مثلّث الزّوايا فلا يستطيع شيء ولا أحد أن يُشبعه إلاّ الإله المثلّث الأقانيم". وقال القدّيس أوغوسطينوس: "تظلّ نفوسنا هائمة حتّى تجد راحتها فيك يا الله".

لن نستطيع أن نشبَع من الرّبّ إن لم نشعر بالجوع إليه أوّلاً، وقد دعا الرّبّ يسوع الجياع إلى البرّ ووعد بإشباعهم. عندما نعترف بفسادنا الكليّ ونطلب برّ الله بالإيمان بالمسيح عندها نحصل على الفرح والسّلام الحقيقيين ونمتلئ من الرّوح القدس ما يجعلنا ندوس على مغريات هذا العالم لأننا نكون قد شبعنا من إلهنا وارتوينا منه.

AddToAny