علامات الهرطقة

الموضوع:
العدد:
السنة:

"ولكِن، كانَ أيضاً في الشَّعبِ أنبياءٌ كذبةٌ، كما سيكونُ فيكُم أيضاً مُعلِّمونَ كذبةٌ، الّذينَ يدُسُّونَ بِدَعَ هلاكٍ. 

وإذ هُم يُنكِرونَ الربَّ الذي اشتراهُم، يجلِبونَ على أنفُسِهِم هلاكاً سريعاً.  وسيتبَعُ كثيرونَ تهلُكاتِهِم. 

الذين بسبَبِهِم يُجدَّفُ على طريقِ الحقِّ.  وهُم في الطّمعِ يَتَّجِرونَ بكُم بأقوالٍ مُصنّعةٍ، الّذينَ دينونَتُهُم منذُ القّديمِ لا تتوانى، وهلاكُهُم لا ينعَس" ( 2 بطرس 2: 1-3)

"لإنَّهُ لا بُدَّ أن يكونَ بينكُم بدعٌ أيضاً، ليكونَ المُزكّونَ ظاهرينَ بينكُم" (1 كورنثوس 11: 19)

 

 

الهرطقة هي بدعة دينيّة تتبنّاها جماعة من النّاس، وهي مُنحرفة عن التّعاليم الإنجيليّة المُستَقيمة الّتي تتمسّك بها الكنيسة المسيحيّة عبر التّاريخ.  وأتباع هذه البدع يُنادون بعقائد تبدو صحيحة، لكنّها غير أصيلة ولا تتوافق مع تعاليم الكتاب المقدّس، وهي تلقى الصّدى والقبول لدى الأفراد الّذين يجهلون تعليم كلمة الله. 

في هذه الأيّام الّتي تكثر فيها البدع الدّينيّة وتقتحم مجتمعات العالم المسيحيّ، من الضّروريّ أن يتسلّح المؤمنون بالوعي الكتابيّ ليحفظوا أنفسهم من مخاطر الأعداء؛ فالجهل لم يكن يوماً سلاحاً يحفظ المؤمنين في الإيمان الصّحيح.  وحدها معرفة كلمة الله ورصد طرق العدوّ يحفظان المؤمنين من التواء الإيمان.

والجدير ذكرهُ، أنّ هذه البدع، على الرّغم من تنوّعها واختلافها العقائديّ بعضها عن بعض، تتشارك جميعها بميّزات وقواسم مُشتركة يُمكن أن تُلخَّص بخمسة هي:

الاعتماد على مصدر إضافيّ غير الكتاب المقدّس

على الرّغم من أنّ أصحاب هذه البدع يستخدمون الكتاب المقدّس لتغطية ادّعاءاتهم وتضليل المسيحيّين، إلاّ أنّهم يعتمدون في نظامهم الإيمانيّ والسّلوكيّ على مصدر آخر غير كلمة الله، غالبًا ما يكون هذا المصدر الآخر إعلانًا خاصًّا (رؤيا أو نبوّة)، يدّعي مؤسّس البدعة أنّ العناية الإلهيّة خصّته به ودعته إلى نشره بين النّاس؛ أو اجتهادًا شخصيًّا مُلهَمًا، المطلوب من الأتباع الأوفياء قبوله والخضوع له.  وغالبًا ما تُسيء البدع استخدام آيات الكتاب لخدمة أهدافها، وتثبيت المعتَقَد الآتي من هذا المصدر الآخر.

يُدافع الكتاب المقدّس بوضوح عن دوره الفريد والمركزيّ في إيمان الكنيسة وحياتها كجماعة، والمؤمنين كأفراد.  فالكتاب المقدّس هو الكتاب الّذي أوحى الله به، بكلماتهِ وأفكارِه، لخلاص الإنسان وتعليمه الإيمان وقيادته إلى الكمال في المسيح (2 تيموثاوس 3: 15-17).  لقد حذّر الرّبّ يسوع من أنّ الضّلالة تأتي من جرّاء جهل الأسفار المقدّسة (مرقس 12: 24).  أمّا بولس الرّسول، فيُحرّض المؤمنين على أن يتمسّكوا بكلمة الله، ويحذروا التّحوّل إلى تعليم آخر (غلاطية 1: 6-9).

التّلاعب باستخدام المفردات الدّينيّة

يتعمّد أهل البدع استخدام مُفردات كتابيّة مألوفة عندما يُقدّمون أفكارهم وتعاليمهم الملتَوِية، بهدف أن يتعاطف المستَمِع مع رسالتهم (2 تيموثاوس 4: 3-5).  وغالبًا ما ينجحون في خطّتهم هذه؛ فغير الخبير في عقيدة الإيمان يطمئنّ عندما يسمع مفردات يعرفها، مثل: اسم الله والرّبّ يسوع، والولادة الثّانية والتّجديد الرّوحيّ، والحقّ والمحبّة، والخطيّة والخلاص، والكنيسة والملكوت، والمجيء الثّاني للمسيح والدّينونة الأخيرة، وغيرها.  وبهذا الأسلوب، برهَنَ أهل البِدع عن أنّهم ماهرون في التّضليل الكلاميّ، من خلال تفريغ المفردات الّلاهوتيّة من معانيها الأصليّة واستخدامها بشكل مُختلف، لتخدم مآربهم الخاصّة في تضليل النّاس عن الحقّ الإلهيّ (2 بطرس 3: 16). 

على المؤمنين بالمسيح أن يعوا خطورة هذا الأسلوب الكلاميّ المُحنَّك القادر على التّمويه لتمرير مفاهيم غريبة عن الكتاب المقدّس.  كما ويُفترض بهم الاجتهاد في فهم عقائد الكتاب المقدّس، والتّأكّد من فهمهم للمفردات الّتي يستخدمها الوحي المُقدّس، وبخاصّة في المقاطع الّتي تُعالج نواحي عقائديّة.  أمّا عند المواجهة مع المُبتدِعين، فيجب تحديد المعاني اللّغويّة واللاهوتيّة للعبارات الّتي ستُستَخدَم في المناقشة منذ البداية؛ فهذا يُوفّر ساعات طويلة من الجدال العقيم الّذي يَستخدم فيه كلّ طرف لغة مُختلفة عن الآخر.  وفي حال عدم التّوافق على معاني المفردات المُستخدَمَة، يجب تجنّب الدّخول في مماحكات الكلام (1 تيموثاوس 1: 4 و6: 4).

الخلاص بالأعمال وليس بالإيمان بالمسيح فقط

تُجمِع البِدع والهرطقات جميعها على تقديم مشروع خلاصيّ لا يعتمد فقط على الإيمان بالمسيح المُخلِّص؛ فمنها ما يرفض أيّ دور للمسيح في تقديم الخلاص للعالم، ومنها ما يعتبر أنّ الإيمان بالمسيح وحده غير كافٍ للخلاص.  واللاّفت للنّظر، أنّ جميع البدع على السّواء تُسيء تفسير عبارة يعقوب: "إنَّ الإيمانَ بِدونِ أعمالٍ مَيِّت" (يعقوب 2: 20)، وتعتبر أنّه لنَوال الخلاص ودخول الحظيرة الإلهيّة لا بدّ من القيام بأعمال دينيّة وأخلاقيّة عديدة تطلبها البدعة باسم الله من النّاس والأتباع. 

يُحذّر الكتاب المقدّس من تضليل المُضلِّلين القائلين إنّ الخلاص من الخطيّة والعودة إلى العلاقة السّليمة مع الله يكونان بغير الإيمان بشخص المسيح وعمله الخلاصيّ الفريد.  فالخلاص هو نعمة من عند الله، ينالها المؤمن منه مباشرةً، وذلك من دون أيّة مساهمة إضافيّة يقوم بها، كما يقول بولس الرّسول: "لأنَّكُم بِالنِّعمَةِ مُخَلَّصون، بالإيمانِ، وذَلِكَ لَيسَ مِنكُم. هوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيسَ مِن أعمالٍ كَيلا يَفتَخِرَ أحَدٌ" (أفسس 2: 8-9).

التّقليل من كرامة شخص الرّبّ يسوع المسيح

تُجمِع كلّ الفرق المُبتَدِعة على التّقليل، بشكل أو بآخر، من كرامة الرّبّ يسوع المسيح.  فبعضها يُنكِر ألوهيّته بوضوح، أو يُقلِّل منها؛ فيجعل منه إلهاً صغيرًا أدنى من الله، أو خادمًا مُميّزًا لدى الله، أو أحد الآلهة الموجودين في العالم؛ وبعضها الآخر يُساويه برؤساء الملائكة، أو يجعله مُجرّد نبِيٍّ أو مُصلِحٍ اجتماعيّ.  فيما يعترف بعضهم الآخر بألوهيّته، لكن، في الوقت نفسه، يُرفِّعون بشرًا وملائكةً واضعين إيّاهم في رتبته كرامةً وقدرةً، وهذه كلّها تضع المسيح الإله في موضع أقلّ ممّا يستحقّ. 

لقد كانت معركة الهراطقة، منذ بدء المسيحيّة، موجّهة ضدّ شخص الرّبّ يسوع المسيح.  ويعمل عدوّ النّفوس جاهداً، من خلال المبتَدِعين، "ليُهمِّش" شخصيّة المسيح في نظر النّاس.  ويُحذّرنا الكتاب المقدّس بوضوح: "مَنْ هوَ الكذّابُ، إلاَّ الَّذي يُنكِرُ أنَّ يسوعَ هوَ المسيحُ؟ هذا هو ضِدُّ المسيحِ، الَّذي يُنكِرُ الآبَ والاِبنَ. كلُّ مَنْ يُنكِرُ الاِبنَ لَيسَ لهُ الآبُ أيضًا، ومَنْ يَعتَرِف بالاِبنِ فَلَهُ الآبُ أيضًا" (1 يوحنا 2: 22-23).  يعرف المؤمن المسيحيّ أنّ لا تكريم حقيقيّ لشخص المسيح إلاّ بالاعتراف بألوهيّته والخضوع الكلّيّ له (فيلبي 2: 10-11)، فالمسيح هو الله الكلمة المتجسِّد (يوحنا 1: 1 و14) الّذي "فيهِ يَحُلُّ كُلّ مِلءِ الّلاهوتِ جَسَديًّا" (كولوسي 2: 9). 

القول إنّ للمؤمنين قائداً غير المسيح

يتشارك أهل البِدع بترفيعِ شخصٍ مُعيّن (أو مجموعة قياديّة) إلى مصافّ الأنبياء والرّأس الفعليّ لجماعة المؤمنين، فيتحكّم هذا القياديّ بالعباد، ويقف بينهم وبين الله وسيطاً ومُلهِماً وقاضياً، فلا يحقّ لهم الخروج على طاعته.  وهكذا، يصير المسيح رأساً فخريّاً لا فعليًّا لجماعة المؤمنين، ويصير رئيس الجماعة "مُمثِّل الله على الأرض وصوته المُميّز"، وبالتّالي، على الأفراد الخضوع التّامّ له حتّى في أمورهم الخاصّة. 

والأسوأ من هذا، والأكثر إيلاماً في هذا النّظام، هو أنّه لا يتوقّف عند هذا الحدّ، بل يذهب بعيداً ليقول إنّ كلّ مَن خرج على سلطة هذا القياديّ وتنظيمه لا يمكنه أن يخلص أو أن يُرضي الله بحياته.  وهكذا، يخترع أصحاب البدع فكرة "حصريّة الخلاص" في الجماعة الخاضعة لرئاستهم، وبهذا، لا يحقّ لله أن يُخلِّص مَن يشاء حيثما يشاء، بل يصير الخلاص مرهوناً بالانضمام إلى الجماعة عبر إعلان الخضوع لقيادتها، ويصير الأتباع رهائن وأسرى يُعادون من هم في الخارج ويخضعون لابتزاز القادة لمقدراتهم وحياتهم الشّخصيّة، وغالباً ما يعيشون معاناة قاسية لا يستطيعون الخروج منها. 

أمّا المسيحيّة الكتابيّة، فتتمسّك برئاسة المسيح الفريدة والوحيدة على الكنيسة (جماعة وأفراد)، (أفسس 1: 22 و4: 15-16؛ كولوسي 1: 18).  فعلى عكس قادة البدع الّذين يستغلّون الأتباع لمصالحهم الشّخصيّة، ضحّى المسيح بنفسه لأجل الكنيسة لأنّه أحبّها، أمّا هي، فلا تخضع لغيره (أفسس 5: 23-24).  إنّ المسيح هو الرّاعي الصّالح الّذي يقود خرافه الخاصّة إلى المراعي الخضراء ويهتمّ بصالح كلّ واحد منها، وهي تتبعه لأنّها تعرف صوته وتعرف أنّه يحميها من الذّئاب الخاطفة ويُعطيها حياة أفضل (يوحنا 10: 1-18).

كيف يُواجه المؤمنون بالمسيح أهل البدع والهرطقات؟

ممّا لا شكّ فيه، أنّ خطر الهرطقات على صغار النّفوس والمبتدئين بالإيمان وغير المؤمنين وجميع الّذين يجهلون تعليم كلمة الله كبير للغاية، إلاّ أنّ الكنائس مدعوّة إلى عدم الاستسلام وترك الميدان، فعندها الكثير لتقوم بهِ تجاه المبتدِعين وبِدَعهم وضحاياهم.

فمِن جهة المبتدِعين، على المؤمنين أن يُدركوا أنّ هؤلاء ليسوا أخوة ولا شركاء في عمل الرّبّ، لمُجرّد أنّهم متديِّنون ويتكلّمون بالرّوحيّات ويقومون بأعمال دينيّة؛ فالمُبتَدِع هو مِن روح آخر غير الرّوح القدس، وهو يتحرّك من دون دفع إلهيّ، تسوقه شهواته الخاصّة الّتي لا تنسجم مع إرادة الله (يهوذا 17-19).  المطلوب، إذاً، الانفصال عن المبتدِعين وقادتهم لتجنّب الاشتراك بخطاياهم (2 يوحنا 9-10؛ رومية 16: 17).

أمّا من جهة البِدَع والهرطقات نفسها، فعلى المؤمنين بالمسيح أن يكونوا صاحين عند سماعهم أيّ تعليم دينيّ (2 تيموثاوس 4: 5)، ويتفحّصوا التّعاليم الّتي يسمعونها على ضوء كلمة الله (أعمال 17: 11)، فيرفضون ما يتعارض مع التّعاليم الإلهيّة ويُشهرونه (رومية 16: 17؛ 1 تيموثاوس 4: 7)، ويُحذّرون غيرهم منه (1 تيموثاوس 1: 4)، ويثبتون في الحقّ الإلهيّ (2 تيموثاوس 3: 14).

وبالنّسبة إلى ضحايا أهل البِدع الّذين ضلّوا عن الحقّ، فعلى الكنائس أن تُصلّي من أجلهم وتُنذرهم (يهوذا 22-23)، وعلى رعاتها أن يتعاملوا مع الضّالين بوداعة ورفق بهدف انتشالهم من براثن الهرطقة (2 تيموثاوس 2: 24-25)، إذ بذلك يُخلّصون بعضهم من الموت ويأتون بهم لغفران الخطايا (يعقوب 5: 19-20).  أمّا إذا أصرّ الضّالّ على استمراره في هرطقته، فليُعامل كقادة البدع بالانفصال عنه: "الرّجل المبتدع بعد الإنذارِ مرّةً ومرّتينِ، أعرِض عنهُ" (تيطس 3: 10).