عندما غاب أبي

الكاتب:
العدد:
السنة:

    لم تكن ذكرى عيد ميلادي الخامس عشر كسائر السّنوات الّتي سبقت. فأنا لم أحتفل به، في ذلك اليوم، كما تفعل سائر الفتيات اللّواتي يحتفلن بعيدهنّ، ولم نُزيِّن البيت بالبالونات والضّحك واللّعب. بل على العكس، فقد استيقظت ذلك الأربعاء المُظلم لأرى البيت يضجّ بالبكاء والدّموع، وتُزيّنه القلوب الحزينة والمتألّمة، وبدلاً من الإثارة والمرح خيّمت الصّدمة على البيت؛ فقد وردنا خبر وفاة أبي في هذا اليوم، وذلك عن عمر صغير، تاركًا خلفه بناته الثّلاث وزوجته. وعلى الرّغم من ذلك، فقد احتفلت ذلك اليوم، ولكن ليس بذكرى ميلادي الخامس عشر، بل بمعرفتي أنّ أبي قد اختير ليكون في السّماء مع شخص مميَّز وعزيز على قلبي، وهو سبب كتابتي هذه المقالة.  ففي وسط كلّ ذلك الحزن، وجدت السّلام الّذي تخطّى كلّ حزن وموت جسديّ. لقد مُدَّت لي يد من فوق، وانتشلتني من حمأة اليأس الّتي أغرقني فيها النّاس من حولي، والحفرة الّتي وضعني فيها موت أبي. إنّها يد مُخلِّصي يسوع المسيح!

 

     لقد سلّمتُ حياتي للمسيح، قبل نحو عام تقريبًا من وفاة أبي، واختبرتُ قوّته للخلاص وسلامه. لكنّني لم أشعر بحقيقة علاقتي بالمسيح وموقعه في حياتي حتّى ذلك اليوم؛ فقد كان دائمًا صديقي ومُرشِدي، بل ربّي. لكنّه في ذلك اليوم صار شخصًا جديدًا بالنّسبة إليّ، لقد صار أبي. لم أشعر بأبوّة الرّبّ يسوع الحقيقيّة لي إلاّ عندما غاب عنّي أبي الجسديّ. ولكن، كيف يمكن لكائن سماويّ أن يأخذ مكان أبي الّذي اهتمّ بي ورعاني لمدّة خمس عشرة سنة؟ وكيف يمكن ليسوع أن يُقدّم لي الدّفء والدّعم والأمان الّتي قدّمها لي أبي خلال وجوده معي؟

 

     لقد جاءني الجواب حالاً عندما بدأت دموعي تجفّ وحزني يتضاءل، وبدأت ترتسم على وجهي الابتسامة. لقد وقف الرّبّ يسوع معي وآزرني في رحلتي الصّعبة في أثناء مراهقتي، فلم أشعر بأنّي يتيمة، بل محظوظة لأنّ لي أبوين؛ فالكتاب المقدّس يؤكّد لي أنّ أبي الجسديّ، الّذي كان مؤمناً حقيقيًّا، هو الآن في حضن الرّبّ، وأنّ يسوع المسيح هو معي في كلّ حين وهو أبي السّماويّ. لقد أحاطني الرّبّ بالرّاحة والتّعزية في أثناء ضعفي وخوفي، ومدّني بالقوّة والشّجاعة في وحدتي. وفي كلّ مرّة كنت أتذكّر فيها أبي، وتتساقط الدّموع من عينيّ، كان الرّبّ يسوع يذكّرني بأنّني في وقت قريب، ومع سائر المؤمنين، سوف ألتقي أبي مجدَّدًا. نعم، لقد خسرت أبي، الّذي أفتقده الآن كثيرًا، لكنّه لم يتركني قبل أن يُخبرني بيسوع المسيح وقوّته للخلاص. لقد غادر أبي هذا العالم عائدًا إلى خالقه، وهو عالم أنّني في يدَين أمينتَين؛ إنّهما يدَي أبي السّماويّ السّرمديّ والكلّيّ الوجود.  وقد عشت زمنًا كافيًا لأتيقّن من أنّ الله هو "أبو اليَتامَى وقاضي الأرامِل، الله في مَسْكِن قُدْسِه" (مزمور 68: 5).