غريبٌ يصير أبًا

الموضوع:
العدد:
السنة:

يُحكى أنّ ولدًا صغيرًا كان قد فقَدَ والدَيه، فوُضِع في ميتم، إلاّ أنّ جدّته أبَت بقاءه هناك. فأحضَرَته إلى منزلها لتعتني به وتغمره بالحبّ والحنان. ذات ليلةٍ، وفيما كان الصّغير نائمًا في الطّابق العلويّ، شبّ حريقٌ كبيرٌ في المنزل قضى على كلّ ما فيه من أثاث، حتّى أنّ الجدّة فشلت في نَجدة الولد. اندلاع النّيران أيقظ أهل البلدة الّذين هرعوا علّهم يتمكّنون من إنقاذ أحد. إلاّ أنّ رهبة المشهد وخطورته جعلتهم يبتعدون على الرّغم من سماعهم صوت استغاثةٍ من الدّاخل، إذ كان الولد لا يزال حيًّا وسط اللّهيب. فجأة، أطلّ رجلٌ غريبٌ من خارج البلدة، فاندفع بين النّيران غير آبهٍ بالموت، إذ كان صراخ الولد أقوى من الخوف، فتسلّق عمود المدخنة المعدنيّ الحامي جدًّا ودخل من النّافذة. وما هي إلاّ لحظات حتّى ظهر حاملاً الولد على ظهره وانزلق عبر ذاك العمود الّذي أحرق يديه لشدّة حماوته، فباتتا كفحمتين سوداوين.

ومرّت الأيّام والصّبيّ يتنقّل من منزل إلى آخر. فارتأى أهل البلدة عَقد اجتماع يُنظَر خلاله في أمره، إذ لا يجوز بقاءه مشرّدًا. وفي الاجتماع، أُعطِيَت فرصة التّكلّم لكلّ مَن يرغب في أن يتبنّى هذا الولد ويساعده. وقف الشّخص الأوّل وكان مزارعًا يملك مزرعة كبيرة. فعرض على الحاضرين تبنّي الولد إذ يُمكن أن يُؤمّن له مستقبلاً زاهرًا من خلال العمل فيها. أمّا الشّخص الثّاني فكان معلّمة تملك مكتبة كبيرة في منزلها حيث يمكن للصّبيّ أن يتلقّى العلم والمعرفة. وتوالت الاقتراحات الواحدة تلوَ الأخرى، الى أن تقدّم الشّخص الأكثر ثراءً في المنطقة واقترح تقديم كلّ ما يحتاج إليه الولد لينمو ويتعلّم ويحصل على ما يريد. أخيرًا، وقف كبيرُ أهل البلدة وأكثرهم حنكةً ورهبةً وسأل الجموع إن كان بينهم مَن لديه اقتراحات أخرى. وإذ بِهم يتفاجأون بدخول الغريب الّذي أنقذ الصّبيّ من الحريق. فتقدّم بِهدوء حتّى وقف بمواجهة الحضور والصّبيّ في الوسط. لم يتفوّه الغريب بكلمة، لكن كلّ ما فعله هو إخراج يديه من جيبَي سرواله، وكانت المفاجأة الكبرى للجميع حين رأوا آثار الحروق وفقاقيع القروح تملأ يديه الإثنين. وفي هذه اللّحظات سُمِع صراخٌ قويّ، وإذ بالصّبيّ يركض ويرتَمي بين أحضان الغريب يُعانقه ويقبّله، ومع دموع الفرح والسّعادة الّتي غمرت الجميع، لم يعد الغريبُ غريبًا بل أصبح أبًا حقيقيًّا للصّبيّ اليتيم. أمام هذا المشهد المؤثّر، بدأ النّاس يخرجون الواحد تلوَ الآخر، بعد أن أيقنوا أنّ الصّبيّ سينعم بالأمان والرّاحة مع الرّجل الّذي عبّرت يداه وأقنعت بِما لم تستطع كلمات أهل البلدة وعروضاتهم أن تفعله.

هذا ما فعله المسيح من أجل البشر. لقد قدّم نفسه ذبيحةً على الصّليب لكي ينقذهم من غضب الله ودينونته الآتية، ولكي يدفع أجرة خطاياهم بدمه ويصالحهم مع الله ويسترجع العلاقة الّتي فُقِدت عند السّقوط. عند الصّليب، حَمل المسيح أحزان الخطاة وأوجاعهم عندما جُرِحَ لأجل معاصيهم وسُحِقَ لأجل آثامهم. وبالرّغم من مرور السّنين، لا تزال الجروح على يدَيه وجنبه ورجلَيه تشهد وتؤكّد بأنّه الوحيد المستحقّ أن يلجأ إليه الإنسان ويقبله أبًا وربًّا ومُخلِّصًا.

AddToAny