فوائد القراءة

العدد:
السنة:

"أريد رجل يقرأ"، لم يعُد هذا النّداء مهمّاً في يومنا الحاليّ إنْ في مجال الصّناعة أو التّجارة أو الإدارة.  ولم يعُد الإنسان المُتخصّص معروفاً بسعة ثقافته ومعرفته، وهذا يشمل، للأسف، رجال الدّين.

ومن الحقائق المُحزِنة أيضاً، أنّ نِصف عدد الطّلاّب الّذين يتخرّجون من الجامعات لا يقرأ.  ونتفاجأ حين نعلم أنّ الأشخاص الّذين يُدافعون عنّا في المحاكم، والّذين يُجرون لنا العمليّات الجراحيّة، والّذين يُقدّمون لنا الاستشارات الماليّة لا يقرأون كثيراً.

لم تعُد القراءة حاجة مُلحّة في مجتمعنا اليوم، وبخاصّة وسط دائرة المؤمنين الّذين لا يقرأون غير الكتاب المقدّس، وصارت الكتب الرّوحيّة مجرّد قطعة أثاث نُزيِّن بها بيوتنا أو رفوف مكتباتنا.  ولو أردنا إحصاء عدد المؤمنين الّذين يقرأون الكتب المسيحيّة أو الثّقافيّة أو الاجتماعيّة، لوجدنا أنّ العدد لا يفوق العشرة في المئة فقط.

ما هي فوائد القراءة؟ ولماذا يجب أن نقرأ؟  سأذكر أربع فوائد فقط:

أوّلاً: القراءة تحثّنا على التّفكير

فهي تُمدِّد عضلات الدّماغ وتشدّها، وتُبدِل أفكارنا الضّيّقة والعقيمة بأخرى أوضح وأنفَعَ منها.  فالقراءة تساعدنا على النّموّ في المعرفة بدلاً من النّموّ في السّنّ.  قال الشّاعر "باكون" Bacon: "لا تقرأ فقط لتُجادل وتُناقش، ولا لتُؤمن، أو لتجد ما تتكلّم به، بل لكي تَزِن الأمور وتُميّزها.  هناك كتب يمكنك تذوّقها، وبعضها الآخر يمكنك ابتلاعه، والقليل يمكنك مَضغه وهضمه."

إنّ القراءة تُوسّع نطاق تفكيرنا، فهي تشدّ تلك التّجاعيد الموجودة في الدّاخل.  إنّها تقودنا إلى تلك المناطق العذراء الّتي لم نكن نحلم باكتشافها.

ثانياً: القراءة تزيد من قوّتنا على التّركيز

من خلال القراءة يتبرمج الدّماغ على الامتصاص والملاحظة، وتتحوّل بذلك عمليّة القراءة من مجرّد التّسلية إلى التّحدّي والتّفكير.  إنّ القراءة تجعل عينَي القارئ حادّتَين ومُتنبّهتَين تتساءل وتكتشف باستمرار.

أذكر يوماً كنت على متن سفينة حربيّة مُبحِرة من "فورموزا" Formosa إلى "أميركا".  وكان بعد ظهر ذلك اليوم ممُِلاًّ بعض الشّيء، ما جعلني أفتح كتاباً من الشِّعر، رحت أقرأه بشغف ومتعة.  وفوجئت بشخص يقف أمامي ويُحدّق بي، نَظَرت إليه، وإذا به ضابط أعلى منّي رتبة.  كنت أتوقّع أن يأمرني بالقيام بخدمة معيّنة، ولكنّه، فاجأني حين سألني: "أيّها البحّار، هل لديك كتاب يحوي صوراً؟"

ثالثاً: القراءة تجعل منّا أشخاصاً غير مُمِلّين

لا تستغرب ما يُصيب لقاءاتنا أو زياراتنا الاجتماعيّة من مَلل، فبعد الحديث عن أحوال الطّقس والأولاد والعمل وآخر الأخبار الشّخصيّة، لا نجد ما نتحدّث به.  إنّ القراءة تُضيف شيئاً من الطّعم الطّيّب على الأحاديث المُمِلَّة.  بل أكثر من ذلك، هي تفتح للمؤمن أبواباً للتّبشير، وتساعده على اقتناص الفرص في الحديث عن الأمور الّتي تخصّ الخلاص والإيمان المسيحيّ، فلا تعود بذلك جلساتنا مُمِلَّة ومُضجِرة، بل مُثيرة ونافعة ومُثمرة في كثير من الأحيان.

رابعاً: القراءة تقوّي قدرتنا على كشف المزيد من الحقّ من كلمة الله

عندما كان الرّسول بولس ينتظر الحُكم عليه بالموت وهو في السّجن، طلب من صديقه تيموثاوس أن يُحضِر له الرّداء الّذي تَرَكه في "تَرُواس"، والكتب ولا سيّما الرّقوق، (2 تيموثاوس 4: 13).

لا شكّ في أنّ الرّقوق الّتي تكلّم عليها بولس هي المخطوطات أو نُسخ الأسفار المقدّسة، لكن ماذا عن الكتب؟  ما هي الكتب الّتي كان يقصدها؟  من الواضح أنّها مجموعة الكتب الّتي كان يقرأها قبل سَجنِه.  بولس رسول الأمم، رجل الله المُتكلِّم وسيّد المنطق، كان يقرأ الكتب حتّى في سِجنِه وقبل موته، لأنّها تساعده على الخدمة والبشارة.  قال خادم الرّبّ "جون ويسلي" John Wesley: إمّا أن تقرأ أو تخرج من الخدمة".

هل يصعب عليك إيجاد الوقت للقراءة؟  ألا تعلم من أين تبدأ؟  ماذا عن مكتبة بيتك، أو مكتبة الكنيسة، أو المكتبة العامّة؟

كانت وصيّة بولس الرّسول إلى صديقه تيموثاوس: "إلى أنْ أَجيءَ اعْكُفْ على القِراءَةِ والوَعظِ والتَّعليم." (1 تيموثاوس 4: 13).

AddToAny