فيما أنت على الطّريق، حذارِ السّرعة والتّهوّر!

العدد:
السنة:

"إحصاء أيّامنا هكذا علِّمْنا فنؤتى قلب حِكمَة" - النّبيّ موسى (المزمور 90: 12)

كثيرًا ما تلفت انتباهي الإحصاءات حول أمور الحياة. يُشير أحد هذه الإحصاءات إلى أنّ عدد ضحايا حوادث السّير في لبنان هو حوالى ثمانين قتيلاً شهريًّا، أي حوالى الألف سنويًّا. أمّا في العالم فيبلغ العدد مئات الألوف، فيما يدخل الألوف يوميًّا المستشفيات للسّبب ذاته ومنهم مَن يخرج ميتًا أو معاقًا أو مشوّهًا.

وتبحث الحكومات في الأسباب الّتي تؤدّي إلى ارتفاع أرقام الضّحايا. وقد تبيّن، نتيجة للدّراسات، أنّ حوادث الطّرق تحدث لأسباب عديدة، أهمّها: السّرعة ومخالفة قوانين السّير وتجاهل إشارات التّحذير وحالة الطّرق.

وفي حياة النّاس ما يُشبه حوادث الطّرقات. ففي طرق الحياة الرّوحيّة، هناك الكثير من الحوادث والمآسي. فبعض المؤمنين يتجاوز أحيانًا السّرعة الرّوحيّة فيصطدم بإرادة الله. وأحيانًا ينحرف عن الطّريق القويم بسبب تجاهل إشارات التّحذير الرّوحيّة ومخالفة قوانين الله، أو يقود بتهوّر على الرّغم من حالة الطّرق السّيّئة في عالمنا الّذي نعيش فيه.

بعضنا يندفع متهوّرًا في طريق غير واضح، وبعضنا الآخر لا يستجيب لنصيحة. لا شكّ في أنّنا جميعًا نندم أحيانًا على كلمة قلناها بتسرّع أو تصرّف قُمنا به باندفاع. إذا كنَّا نريد التّخلّص من المواقف الصّعبة علينا أن نهدأ ونطلب إرشاد الرّبّ لنا. لقد كان الرّبّ يسوع مثالاً لنا في كلّ شيء. في كلّ حياته على الأرض لم يقل كلمة ونَدِم على قولها، ولم يفعل شيئًا بتسرّع. عندما نتأمّل في قصص أبطال الإيمان الّذين سبقونا، نجد أنّ كثيرين منهم قد تسرّعوا في مواقف معيّنة في حياتهم. فها هو موسى الحليم يتحمّس ويقتل المصريّ الّذي كان في صراع مع واحد من إخوته. وها بطرس، ولدى رؤيته للجنود يقبضون على يسوع، يستلّ سيفه ويقطع أذن عبد رئيس الكهنة. أمّا إبراهيم أبو المؤمنين، الّذي وعده الرّبّ بأن يكون نسله كرمل البحر في الكثرة، نراه يتسرّع ويتزوّج من الجارية بناء على نصيحة زوجته كي يساهم في تحقيق وعد الله.

لقد تسرّع هؤلاء الرّجال الثّلاثة وتصرّفوا باندفاع، وكانت النّتيجة مؤسفة. موسى صار غريبًا في أرض مِديان، وبطرس توبَّخ من قبل الرّبّ، أمّا إبراهيم، فنتيجة لعدم انتظاره تحقُّق الوعد الإلهيّ، فقد حصد خصامًا وتعبًا في عائلته دام أجيالاً عديدة بين نسل إسحق ونسل إسماعيل، ما زالت آثاره تمتدّ حتّى يومنا هذا.

أمّا السّبب الثّاني للحوادث والمآسي في حياتنا الرّوحيّة فيكمن في مخالفتنا لوصايا الله وتجاهلنا لإشارات التّحذير. كثيرًا ما نرى على الطّرقات أمامنا لافتات وإشارات تحذير مثل: منعطف حادّ، خفّف سَيْرَك، تقاطع خطر، ممنوع التّجاوز... إنّ مخالفتنا لهذه الإرشادات توصّلنا إمّا إلى المستشفى أو إلى السّجن أو إلى دفع غرامات ماليّة.

إنّ الكتاب المقدّس مليء بالإرشادات الإلهيّة الّتي تحفظنا في مسيرتنا الرّوحيّة. فهنا لافتة تقول: "التَفِتوا إليَّ واخلُصوا يا جَميع أقاصي الأرض، لأنّي أنا الله وليس آخر"؛ وهناك لوحة تُعلِن: "أُعلِّمُكَ وأرشِدُكَ الطّريق الّتي تسلُكها. أنصَحُك. عيني علَيك"؛ وتلك إشارة تقول: "اُدْخُلوا من الباب الضّيّق، لأنَّه واسعٌ الباب ورَحْبٌ الطَّريق الّذي يُؤَدّي إلى الهلاك، وكثيرون هُم الّذين يَدْخُلُون منه! ما أضْيَق الباب وأكْرَب الطّريق الّذي يُؤَدّي إلى الحياة، وقليلون هُم الّذين يَجدونه!". يمكننا أن نتجاهل هذه الإرشادات والتّحذيرات، لكنّ العاقبة ستكون وخيمة. عندما يضيء مؤشّر الحرارة في السيّارة محذّرًا من ارتفاع حرارة المحرّك، نستطيع ببساطة أن نُحطّم إبرة المؤشّر أو نتجاهلها، لكنّنا لن نقدر على الابتعاد كثيرًا لأنّ السّيارة سوف تقف لا محالة. هناك رجال ونساء في الكتاب المقدّس خالفوا إرشادات الله لهم وكانت العاقبة وخيمة. لنتذكّر ما حصل لشمشون وشاول وسليمان وكثيرين غيرهم، عندما ضلّوا الطّريق أيّة نتيجة حصدوا.

أمّا السّبب الثّالث لحوادث السّير فهو حالة الطّرق السيّئة. إنّ العالم الّذي نعيش فيه يشبه حالة الطّرقات في بلادنا. فعالمنا موضوع في الشّرّير، وحياتنا على الأرض تعترضها المطبّات والحفر الّتي تسبّب لنا الألم والإحباط. عالمنا اليوم يسود عليه إبليس، وهو يستعمل الأشرار وطبيعة الإنسان الفاسدة المضروبة بلعنة الخطيّة، ليسيّر هذا العالم من سيّئ إلى أسوأ. فالإنسان المسيحيّ المؤمن الحكيم، مُدركًا لحالة هذا العالم، يقود حياته في طرقات هذه الحياة بحذر متّكلاً على الرّبّ متفاديًا الوقوع في المطبّات والحفر وأفخاخ ومكايد إبليس حتى لا تتعطّل مسيرته الرّوحيّة.

أمّا إن أردنا تفادي الحوادث الرّوحيّة في حياتنا وتجنّب التّعرّض للمخاطر، فعلينا أن نعرف إرادة الرّبّ المعلَنَة في كلمته المقدّسة ونسير بموجبها. فها هو يسوع مثال لنا، فمع كونه ابن الله قد تعلّم الطّاعة مِمّا تألّم به، فكيف بالحريّ يكون أمرنا، نحن الّذين انتهت إلينا أواخر الدّهور، ونعترف بأنّنا ضعفاء وعرضة لكافّة الحوادث الخطرة والمُميتة. ليت الرّبّ يحمينا من الأخطار ويحفظنا في طريقه الصّحيح غير عاثرين.

AddToAny