قادة أبرار وأمّة مجيدة

الموضوع:
العدد:
السنة:

"اَلْبِرُّ يَرْفَعُ شَأْنَ الأُمَّةِ، وَعَارُ الشُّعُوبِ الْخَطِيَّةُ" (أمثال 14: 34)

يُحدّد الملك سليمان، وذلك من خبرة طويلة في الحكم، أنّ البِرّ يرفع شأن الأمّة. فهو كان مهتمًّا بأمّته، وكان يسأل عمّا يرفع شأنها، ويخاف مِمّا يُهبطه. ويجد أنّ الخطيّة تجلب العار على الشّعوب، وبالتالي تُهبِط شأن الأمم. لم يتعامَ سليمان عن أهميّة الشّأن الأخلاقيّ في حياة الشّعب. وما أكثر الحكّام الّذين لا يهمّهم شأن شعبهم أيًّا كان هذا الشأن، أكان شأنًا اقتصاديًّا أم اجتماعيًّا أم أمنيًّا أم أخلاقيًّا أم روحيًّا! لقد عرف أنّه لتبقى الأمّة وتستمرّ وتتقدّم وترتفع يجب أن تتميّز حياتها وشعبها وقادتها بميزات الأخلاق والبِرّ. هو يتكلّم على بِرّ يرفع شأن الأمّة.

ونسأل: من أين يبدأ البِرّ عمله ليرفع شان الأمّة؟ هل هو برّ القادة أو برّ الأفراد، أو برّ العائلات والمجموعات والمؤسّسات في الأمّة؟ ممّا لا شكّ فيه أنّه كما يكون القادة يكون الشّعب. وكلّما كان القادة أبرارًا في حياتهم وليس فقط في ادّعائهم، تركوا تأثيرًا طيّبًا في النّاس الّذين يتبعونهم. هناك مَن يدّعي البِرّ ويتصنّعه، برّ هؤلاء لا يرفع شأن ناسهم. فهو غير موجود فيهم أصلاً ولا يقدر على أن يترك أيّ أثر حقيقيّ فيمَن يتبعهم. ولا يكفي أن يكون الحكّام أبرارًا وضعفاء في ترويج حالة البِرّ والعدل والصّلاح في المجتمع؛ بل يجب أن يكونوا من الّذين يُريدون برّ أمّتهم فيدافعون عن البِرّ ويعملون على تعميمه وتقدّمه في المجتمع. هؤلاء لا يُهادنون الشّرّ ولا الأشرار ولا يسكتون عن محاولات إفساد المجتمع والقيادة والمؤسّسات والعاملين فيها. حياتهم البارّة تُعطيهم القوّة لدعم مسعاهم لإحقاق البِرّ في المجتمع ولرفعه للعلاء. أمّا مَن تلوّث سجلّه بكذب وسرقة واختلاس ورشوة وتهريب وتبييض أموال و"بلطجة" وموبقات وممنوعات وكراهيّة وتهجير واعتداء على الضّعفاء وسلب حقوقهم وقتلهم واعتداء على أمن الدّولة والمواطنين وحماية المخالفين وخيانة الوطن وغيرها من الشّرور والمفاسد، ولو غيّر شكله وصوته، وحاضَر في البِرّ، فهذا لا يقدر على تحقيق رفعة الأمّة وتقدّمها. هذا في أحلى حالاته، إنْ تاب وقَبِلَ الله توبته، لوجب انصرافه إلى الصّلاة والتّقوى، وإلى العمل بإخلاص لإعادة تأهيل حياته الأخلاقيّة والرّوحيّة والقيام بأعمال البِرّ والإحسان والشّهادة لرحمة الله الّتي افتقدته، والاستعداد لدخول الأبديّة مستورًا برداء الخلاص.

غريب أمر النّاس الّذين لا يُميّزون في أمر سياسيّيهم ولا يسألون عن مكانة البِرّ في حياتهم، ويتعامون عن عدم قدرة هؤلاء على رفع شأن أمّتهم. قد يكون البرّ مفقودًا بين النّاس، وكثيرون لا يعرفونه أو يَحيونه أو يُحبّونه. فالبِرّ يجب ألاّ يُطلَب فقط من القادة، بل من الشّعب أيضًا. فكما يكون الشّعب كذلك يكون القادة. والشّعب الفاسد لا يقدر على اختيار قادة أبرار أو اتّباعهم، وهو لا يُريد تمييز الفساد ولا مُحاربته بشكل جدّيّ. هذا شعب يتعايش مع الفساد وينخرط في نظامه ويتباهى بتدبيره لأموره في ظلّه. هذا ما يُفسّر عدم تقدّم بعض الشّعوب وانحطاطها. وهكذا، تتكامل الدّائرة بين قادة فاسدين وشعب الخطيّة، فتُكلّل أمّتهم بالعار الّذي يضرب الأجيال حتّى الجيل الثّالث والرّابع. مَن أحبّ البِرّ عاشه، فكانت له الرّفعة والسّلام. ومَن لم يُحبّه، اندفع في منحدر التّدمير الذّاتيّ، جارًّا خلفه أمّته. وما من عدوّ لشعبه يكون أكثر من قائد شرّير لا يعرف طرق البِرّ، وفي الوقت عينه يدّعي الوطنيّة والحفاظ على مصالح الشّعب!