قصة وحياة وليام كاري ( الجزء الثّالث)

العدد:
السنة:

كانت الدّموع تتساقط على وجنتَي "وليام كاري" كلّما نظر إلى خريطة العالم، وكان يتساءل كيف يُقنع المسيحيّين بضرورة إرسال مبشّرين إلى البلدان الّتي لم تسمع قطّ بالمخلِّص. فدفعه حزنه، لأجل الشّعوب الضّالّة، إلى كتابة رسالة أظهر فيها أهميّة بعث مرسَلين إلى البلدان البعيدة، وقام بنسخها وتوزيعها في الكنائس ليقرأها المؤمنون.

بداية الإرساليّات

بدأت أصداء رسالته تلقى تجاوبًا. فدُعي "وليام كاري" إلى الكلام في اجتماع الخدّام المعمدانيّين في "نوتنغهام" في الثّلاثين من أيّار عام 1792، فصلّى وطلب إلى الرّبّ أن يضع في فمه الكلام المناسب، ووقف وألقى عظة من كلّ قلبه قائلاً: "علينا أن نوصل الأخبار السّارة عن محبّة المسيح إلى الأمم، الله أمين وصادق وهو سيساعدنا على إنجاز هذا العمل له. يجب أن نتوقّع أمورًا عظيمة من الله وأن نسعى لنحقق أعظم الأمور له". وبنى عظته على ما جاء في نبوّة إشعياء حول الكنيسة: "أوسِعي مكان خيمتِكِ، ولتُبسَط شُقَقُ مساكنِكِ. لا تُمسِكي. أطيلي أطنابَكِ وشدّدي أوتادَكِ، لأنّكِ تمتدّينَ إلى اليمين وإلى اليسار، ويَرثُ نسلُكِ أُمَمًا، ويُعمِرُ مُدُنًا خرِبَةً" (54: 2-3). ثمّ ختم عظته بتحريض على مناصرة العمل الإرساليّ.

كان الهدوء سائدًا في الغرفة: لقد سمع الخدّام كلامه لكنّهم لم يستطيعوا أن يروا كيف بإمكانهم مساعدة الهالكين في بلاد غريبة. فغيّروا الحديث وهمّوا بالانصراف. خاب أمل "وليام" ولم يعد يحتمل، فأمسك ذراع صديقه "أندرو فولر" بشدّة، وصرخ: "يا سادة، ألن تفعلوا شيئًا؟" أدرك "فولر" أهميّة الأمر، فوقف إلى جانب "وليام" ورجا الجمع أن يعيدوا التّفكير في الموضوع. فاقتُرِحَ تشكيل جمعيّة إرساليّة تبعث مرسَلين إلى البلدان البعيدة. عندما بدأ الرّعاة بالعمل برزت أمامهم الأسئلة التّالية: "مَن يُرسِلون؟ إلى أين؟ وكيف؟" فتمّ استدعاء الدّكتور "جون توماس" ليخبرهم عن الهند الّتي سبق وزارها. فأخبرهم عن ملايين الفقراء من الرّجال والنّساء والأولاد الّذين لم يسمعوا قطّ بيسوع، وأبدى رغبته في العودة إلى الهند، إذا ما وجد مرسَلاً يعود معه. كان قلب "وليام" يخفق وهو يستمع إلى الدّكتور "جون توماس" واغرورقت عيناه بالدّموع، وشعر برغبة شديدة في مرافقته وأحسّ كأنّه يسمع صوت الله يهمس في أذنيه: "هذا ما أريدك أن تفعله". أشرق وجه "وليام" وقال: "سأذهب". تحمّس الجميع لهذا الخبر وآمنوا بأنّ إرادة الله لـ"وليام" هي أن يكون مرسَلاً يحمل بشارة الخلاص إلى الهند. عقد الخدّام اجتماعًا خاصًّا وضعوا فيه الأيدي على رأس "وليام" وصلّوا مُستَودعيه لنعمة الرّبّ.

هكذا تمّ اختيار ذلك الإسكافيّ الفقير ليكون المرسَل الأوّل من إنكلترا إلى الهند، فامتلأ قلبه فرحًا ودُهِشَ بسبب محبّة الله له وخطّته لحياته. أن يذهب حاملاً بشارة الخلاص إلى الهند أمر عظيم ملأه سعادةً لا توصف، لكن، لم يشاركه الجميع سعادته هذه: اعتقد والده أنّه فقد صوابه، وزوجته رفضت أوّلاً الذّهاب معه، أمّا أعضاء كنيسته فقد أحبّوه لدرجة أنّهم لم يريدوا التّخلّي عنه ممّا شكّل له صعوبة وأربكه. لكنّ "وليام" كان متحمّسًا جدًّا وقال بحزم: "إنّها إرادة الله، لا يسعني إلاّ أن أُطيع. يجب أن أذهب".

الرّحلة الخطرة

بعد عدّة أشهر، أبحر "وليام كاري" على متن السّفينة المتّجهة إلى بلاد الهند، وكان قلبه ممتلئًا بالشّكر للرّبّ لأنّه لم يكن وحده، فقد رافقته زوجته وأولاده والطّبيب الجرّاح "جون توماس". لقد أعطى الرّبّ زوجته رغبةً وفرحًا في الذّهاب معه، كما جعل إخوة كنيسته يصلّون له ويدعمونه، شبّانًا وشابّات، رجالاً ونساء، ويوفّرون كلّ فلس لمساعدته في دفع تكاليف الرّحلة. لقد سُرّوا بأنّ راعيهم سيذهب حاملاً بشارة الخلاص لأولئك البعيدين الّذين لم يسمعوا قطّ بيسوع.

ابتعدت السّفينة ببطء عن الشّاطئ، وبدأت رحلتها الطّويلة والخطرة. يومًا بعد يوم، وأسبوعًا بعد أسبوع، كانت السّفينة تمخر مياه المحيط، لكنّ العواصف العنيفة كثيرًا ما كانت تضربها والأمواج تصارعها. وغالبًا ما كانت السّواري تتعطّل بسبب الرّياح القويّة. في إحدى المرّات، ضربت السّفينة موجة عنيفة سبّبت لها أضرارًا جسيمة ممّا استلزم واحدًا وعشرين يومًا لإصلاحها. ولمدّة شهر كامل لم يهتدوا إلى أيّ مكان لأنّ الرّياح العاتية والتّيارات القويّة كانت تعيق تقدّمهم، لا بل تدفعهم إلى الوراء.

ماذا فعل "وليام" طوال هذه المدّة؟ هل جلس يرتاح على سطح السّفينة؟ بالطّبع لا. لقد بدأ دراسة اللّغة البنغاليّة، إحدى اللّغات الهنديّة، وعمل بجدّ مع الدّكتور "توماس" على ترجمة الكتاب المقدّس إلى تلك اللّغة. لقد كان يفكّر في سكّان الهند وفي حاجتهم الملحّة لكلمة الرّبّ بلغتهم الخاصّة. عندما لم يكن "وليام" يدرس أو يساعد في التّرجمة، كان يعقد صفوفًا لدرس الكلمة ويُخبر الآخرين عن مخلّصه وسيّده. أمّا أيّام الآحاد، فكان يعقد اجتماعات عبادة. لقد كان مُرسَلاً وكارزًا في كلّ مكان وطأته قدماه حتّى وهو وسط المحيط.

الوصول إلى الهند

أخيرًا، وبعد مضيّ خمسة أشهر، رست السّفينة في المرفأ الهنديّ، فشكر "وليام" الرّبّ الّذي رافقهم وسار بوجهه أمامهم وأوصلهم بأمان إلى الهند. وإذ نزلوا من السّفينة، نظر "وليام" حوله فرأى النّاس في ثيابهم البيضاء وبشرتهم الدّاكنة. شعر نحوهم بمحبّة عظيمة وحنان كبير وشوق لإخبارهم عن مخلّصه. لكنّ أوّل ما كان عليه فعله على تلك الأرض الجديدة، هو إيجاد منزل لعائلته. إلاّ أنّه لم يكن يعلم أين يبحث. وبدأت المتاعب الكثيرة والمعاناة المرّة، فقد مرضت زوجته ومرض أحد أولاده فوضعهما في مؤسّسة تعنى بهما. وعندما انتقلوا للعيش في منزل كانوا قد استأجروه وجدوا أنّ أناسًا قد سبقوهم وسكنوا فيه، وكان ماله قد نفذ. فماذا يفعلون؟ هم موجودون في أرض غريبة، بلا منزل أو طعام أو مال، والأمور تسير معهم بشكل غير متوقّع. صلّى "وليام" إلى الرّبّ وآمن بأنّه سيعتني بهم. والرّبّ فعل: لقد أرسل إليهم أحد الرّعايا الإنكليز، كان يصطاد في تلك النّواحي فتفاجأ لرؤيتهم، ودعاهم إلى المكوث في منزله ما شاؤوا من الزّمن. فمكثوا عنده إلى أن تحسّنت صحّة زوجته، وأكرمهم الرّبّ بمنزلٍ جديد وببعض المال. فشكر "وليام" الرّبّ مجدّدًا على عنايته ورعايته.

انشغل "وليام" بالعمل وباكتشاف الهند. وكان كيفما نظر يرَ فقر النّاس ومعاناتهم وهم يعبدون أصنامهم. فكانت أمنيته القصوى إخبارهم عن رجاء الحياة الأبديّة والإيمان بالمسيح يسوع. لكن، عليه أن يتعلّم لغتهم أوّلاً. وهذا ما فعله: انكبّ على الدّراسة وصار يتعلّم بجهد وإصرار كبيرَين، ويركع مصلّيًا لأجل هذه الشّعوب الضّالة. وقد قال: "سأفعل كلّ ما بوسعي لأساعدهم كي يتعرّفوا إلى الرّبّ يسوع ويؤمنوا به".

كيف استجاب الرّبّ صلوات "وليام" وكيف كافأ إيمانه؟ هذا ما سنراه في العدد المقبل. كما سنرى إنجازات عظيمة حقّقها الرّبّ من خلاله في بلاد الهند.

AddToAny