قصة وحياة وليام كاري ( الجزء الخامس)

العدد:
السنة:

أمضى "وليام" ساعات طويلة في ترجمة الكتاب المقدّس إلى اللّغة البنغاليّة. لقد كان يؤمن بأنّه إذا تُرجمت كلمة الرّبّ، وطُبعت ملايين النّسخ فسيتمكّن الكثيرون من قراءة الكلمة لأنفسهم. عمل بصبر، صلّى، بشّر وترجم ونذر نفسه لإنجاز العمل. عندما انتهت التّرجمة الأولى، بدأ أمر الطّباعة يشغل باله فصلّى ووثق بأنّ الرّبّ سوف يسدّد حاجته. وهذا ما حصل بالفعل، فقد أمّن الرّبّ المطبعة، وأمّن من يقوم بتشغيلها. فقد أتى ثلاثة مُرسلين مع عائلاتهم برفقة صديقه "وليام وار" الّذي يعمل في إحدى المطابع الإنكليزيّة، ليدعموه في عمله الإرساليّ. عند وصولهم، وجدوا منزلاً على ضفاف النّهر في مدينة "سيرامبور". قاموا بتجهيزه ووضعوا فيه المطبعة وبدأوا بالعمل على طباعة كلمة الله.

كلمة الرّبّ تأتي بثمر

تمّ طبع أوّل عهد جديد باللّغة البنغاليّة، فاكتملت فرحة "وليام كاري". حمله بروح الشّكر إلى الكنيسة واجتمع مع "كْرِشْنا بال" والمرسلين الآخرين، ركعوا وشكروا الرّبّ طالبين بركته، وخطّطوا لتوزيع النّسخ، وصلّوا لكي يفتح الرّبّ ذهن الّذين سيقرأون العهد الجديد كي يفهموا ما يقرأون ويؤمنون به.

كان "وليام كاري"، "كرشنا بال" والمرسلون الآخرون يوزّعون نسخ العهد الجديد الغالية حيثما ذهبوا، ولم تُعطَ نسخة لإنسان إلاّ إذا كان يعرف القراءة أو يتعهّد بحمل العهد الجديد إلى مَن يعرف القراءة في قريته ليقرأ للآخرين. وهكذا سمع الكثيرون من سكّان القرى البنغاليّة الأخبار السّارّة عن يسوع للمرّة الأولى، فأعجبوا بالكتاب الّذي يقودهم إلى الخلاص بالمسيح ويمنحهم السّعادة في الحياة والموت.

كلمة الرّبّ لا ترجع إليه فارغة

أُعطِيَ كتاب العهد الجديد لرجل اسمه "كرشنا داس" ليقرأه في قريته. ولمدّة ثلاث سنوات، كان جيرانه يأتون إليه ليسمعوا كلمة الرّبّ من دون تعب أو ملل. فعملت نعمة المسيح في حياتهم. لقد كان الكتاب بركة لهم وسبب خلاص نفوسهم الثّمينة. فجاره "جاغانات داس"، وبعد أن سمع ما يقوله الكتاب، حطّم كلّ الأصنام الّتي كان يعبدها، و"سيباك رام" توقّف عن أداء الأغاني البذيئة، وتغيّرت حياة صيّاد السّمك "غَبَردْهان" فأقلع عن الغشّ والخداع والكذب. لقد تبدّل وجه القرية بعد أن سمع سكّانها كلمة الرّبّ وآمنوا بالمسيح.

في أحد الأيّام، قال أهل القرية:" يجب أن نجد الرّجل الّذي أعطانا هذا الكتاب العظيم لنشكره على عطيّته الصّالحة، ولنعبّر له عن محبّتنا وامتناننا". فأجابهم "كرشنا داس" أنّه لا يعرف حتّى اسم الرّجل الّذي أعطاه الكتاب ولا أين يسكن. ولكنّه انتبه لما كُتب في صفحة الكتاب الأولى:" تمّت الطّباعة في سيرامبور".

فاقترح أهل القرية إرسال "جاغاناث داس"، "سيباك رام" و"غَبَردْهان" إلى "سيرامبور".

انطلق الثّلاثة إلى "سيرامبور"، وهناك بحثوا حتّى وجدوا "كاري" الّذي قام بترجمة الكتاب و"وليام وار" الّذي طبعه وأعطاه لـ"كرشنا داس" فشكروهما قائلين: "نحن نؤمن بيسوع. أصبحنا نعرف أنّه المخلّص الّذي أعطى حياته لأجل خطايانا. لقد كسّرنا كلّ أصنامنا ونحن الآن نعبده".

الخطّة الأوسع

هذه الأخبار جعلت أعين المرسلين تشعّ بالفرح. وزادت حماسة "وليام" على التّرجمة والطّباعة. فصلّى بإلحاح إلى الرّبّ ووضع خطّة لترجمة الكتاب إلى لغات الهند الأصليّة. وثبّت عزمه لإتمام هذا الهدف.

لكنّ الأحداث لم تكن سهلة عليه فقد فُجع بخسارة الدّكتور "توماس" وبوفاة زوجته بعد معاناة طويلة مع المرض. لكنّ "وليام" صلّى أكثر وعمل أكثر من قبل. أولاده والمرسلون الآخرون والمساعدون الهنود انكبّوا على العمل، وكان كلّ واحد يقوم بدوره في ترجمة كلمة الرّبّ إلى اللّغات المختلفة الّتي يتكلّمها شعب الهند. لكنّ أحدًا لم يبذل جهدًا أكبر من الّذي بذله "وليام"، حتّى كان كلّ مَن يراه يحتار في أمره ويتساءل عن سبب عزيمته. وقد قال أحد الهنود عنه:" لم نره قطّ جائعًا أو مُتعبًا أو يعمل عملاً لا ينهيه".

في كلّ مرّة كان "وليام" ينتهي من ترجمة الكتاب إلى لغة معيّنة كان السّيّد "وار" يحضّر الكلمات بعناية في الآلة، ويقوم بالطّباعة بأسرع ما يمكن. فهناك الملايين من النّاس الّذين لم يسمعوا ولم يروا قطّ كلمة الرّبّ.

كيف استطاع "وليام وار" طباعة التّرجمة بعدّة لغات؟

لقد كان لديه خمس آلات، وكان خمسون هنديًّا يعملون على تشغيلها ويقومون بصنع الورق وتحضير التّرجمات للطّباعة. كان عمل الرّبّ في الهند ينمو وكان "وليام" يتهلّل لذلك. وبينما كانت الأمور تتمّ على أفضل حال، حصل أمر مروّع، ففي إحدى الأمسيات نشب حريق واحترقت المطبعة كليًّا وأكلت ألسنة النّار أطنانًا من الورق، والعديد من الكتب وآلاف الصّفحات المترجَمة.

قبل ساعات من الحريق كانت المطبعة مكانًا حافلاً، تنتشر منها كلمة الرّبّ المطبوعة إلى لغات شعوب الهند المختلفة، أمّا بعده فلم تكن سوى رماد أسود. كيف يسمح الله بأن تحلّ مصيبة كهذه على أبنائه الغيورين، وكيف يسمح بأن يذهب سدىً اجتهاد مَن أتقن أربعًا وثلاثين لغة ولهجة من لغات الهند الصّعبة؟

هدف جديد

وقف "كاري" والدّموع تملأ عينيه وهو ينظر إلى ما خلّفته النّيران، وقال:" في ليلة واحدة انتهى عمل السّنين، انتهى إلى غير رجعة". لكنّه لم يتكدّر ولم يتذمّر، لقد آمن بأنّ الله سيحوّل هذا المصاب إلى ما فيه خيره، وتذكّر ما جاء في رومية 8: 28 " ونحن نعْلَمُ أنّ كُلّ الأشْياء تعْمَل معًا للخير للَّذينَ يُحِبّون الله، الَذينَ هُمْ مَدْعُوّون حَسَب قصْدِه". فوضع ثقته بالرّبّ وقال ببساطة:"طُرُق الرّبّ لا تُفحص؛ ونعمته الغنيّة تفوق حدّ الوصف. لقد جعلتُ ترجماتي قريبةً من الكمال وبتّ أشعر بالفخر والكبرياء من جرّاء نجاح الخدمة. لكنّ الرّبّ سمح بهذا لأثق به أكثر. سأقف وأعلم أنّه الرّبّ".

لم يفكّر "كاري" بالانسحاب، بل استأنف العمل ووضع في قلبه أن يعمل بجهد أكبر من قبل. أمّا السيّد "وار" فقد وضع خططاً جديدةً للطّباعة. وكم كان سروره عظيمًا لأنّ الرّبّ حفظ لهم المطابع، فقد تمّ انتشال آلات الطّباعة الخمس من المبنى المحترق، لكن من دون حروفها الرّصاصيّة الّتي ذوّبتها النّيران وغيّرت أشكالها. أمّا القوالب الفولاذيّة الّتي استغرق صنعها عشر سنوات، فقد وُجِدَت مطمورة في الرّماد وهي ما زالت صالحة ويمكن استعمالها لصنع حروف جديدة.

"إنّها معجزة أنّها لم تتضرّر"، هذا ما أعلنه "وليام وار" :"بهذه القطع نستطيع صنع حروف جديدة والمباشرة بالطّباعة".

قدّم "كاري" و"وار" الشّكر للرّبّ لأنّه حفظ لهم القوالب لأربع عشرة لغة، ولأنّه أمّن لهم مكانًا جديدًا للعمل. ففي المطبعة القديمة، يوجد مخزن كبير، قامت إحدى شركات الأعمال بإخلائه قبل أربعة أيّام من اندلاع الحريق. فعمل "وار" ومساعدوه الهنود بجهد لتجهيز المكان، وفي أقلّ من شهر، انطلق العمل مجدّدًا، وخلال خمسة أشهر، عادت المطبعة تطبع الكلمة المقدّسة وبلغات أخرى أيضًا. وقد أكرمهم الرّبّ بعشر آلات جديدة بدلاً من الخمس.

في هذه الأثناء، وصلت أخبار الحريق المدمّر إلى إنكلترا وأمريكا، وتناقل المؤمنون الخبر في كلّ مكان، فسمع النّاس عن العمل الإرساليّ العظيم في بلاد الهند، ممّا دفع بالكثيرين إلى الصّلاة وتقديم المساعدات الماليّة. لم تردع النّيران ترجمة كلمة الرّبّ وطباعته، بل على العكس، ساعدت على دعم الخدمة الإرساليّة في الهند. لقد حوّل الرّبّ السّوء الّذي حصل إلى ما فيه خير "وليام" والإرساليّة. فشكرًا لله على عطيّته الّتي لا يُعبّر عنها.

يُتبع

(لم يكتفِ "وليام" بتقديم الكتاب المقدّس في عدّة لغات إلى شعب الهند، بل فتح أيضًا مدارس للأولاد، وكان المفتاح لتأسيس مئةٍ وستٍّ وعشرين مدرسة إرساليّة. هذه الأعمال وغيرها ونهاية حياة "وليام كاري"، هذا ما سنعرفه في العدد المقبل).  

AddToAny