قصّة حياة "وليام كاري" الجزء الثّاني

العدد:
السنة:

 

في العدد السّابق، رأينا كيف أدرك "وليام كاري" حاجته إلى الخلاص، فصلّى وسلّم حياته ليسوع فصار مُخلّصه فتغيّرت حياته. كان قبلاً يهتمّ بمعرفة الأمور الّتي عملها الله، أمّا الآن فصار يعرف الله شخصيًّا ويخبر الآخرين عنه. ابتدأ ينتهز كلّ دقيقة سنحت له لدراسة الكلمة المقدّسة، وقرّر أن يدرس لغات الكتاب الأصليّة فدرس اليونانيّة. لم يكن الأمر صعبًا عليه فقد سبق وتعلّم الّلاتينيّة وهو في الثّانية عشرة من عمره.

 

الإسكافيّ المنشغل

 

بعد موت معلّمه الأوّل، السّيّد "نيكولس" انتقل "وليام" للعمل لدى اسكافيّ آخر. وصار يعمل بجهد أكبر ليجني مالاً كافيًا يُعيله وزوجته. لكنّ ذلك لم يثنِه عن دراسة الكلمة. لقد كان متحمّسًا كي يزداد في المعرفة ليتمكّن من خدمة مخلّصه بشكل أفضل. بعد فترة وجيزة، مات معلّمه الثّاني، فبقي "وليام" يدير محلّ الأحذية ويهتمّ بأرملة الإسكافيّ وأولاده الأربعة. وإذ لم يكن ما يجنيه من صناعة الأحذية كافيًا لإعالة عائلته وعائلة معلّمه، أنشأ مدرسة ليليّة لأبناء قريته ممّن لم يتلقّوا علومهم في الصّغر. وعلى الرّغم من مسؤوليّاته الكثيرة، كان ينهض باكرًا لدراسة كلمة الله، ويجلس بعد انصراف الطّلاّب في اللّيل يتصفّح كتابه.

 

أتقن "وليام"، باجتهاده، العبريّة واليونانيّة واللاتينيّة والهولنديّة. لاحظ سكّان قريته كم أحبّ كلمة الرّبّ وكيف كان ينكبّ على دراستها، فطلبوا إليه أن يعظهم أيّام الآحاد، فذاع صيته، وصار يُطلب إليه أن يعظ في أكثر من قرية ومدينة. راح "وليام" يسير أميالاً عديدةً للكرازة، صيفًا وشتاءً، تحت أشعّة الشّمس وعند تساقط الثّلوج. لم يكن يأبه لشيء فالخدمة الّتي يقوم بها تشبع قلبه وتملأه بهجةً، ولم يكن يُسرّ بأيّ أمر أكثر من تعليم كلمة الله وإخبار الآخرين عن يسوع.

 

تأثير أخبار الرّحّالة في القارئ النَهِم

 

في أحد الأيّام، استعار "وليام كاري" كتاب "رحلات الكابتن كوك البحريّة"، وابتدأ يقرأ عن رحلاته إلى بلدان وجزر بعيدة ومجهولة. لقد أحبّ "وليام" الجغرافيا منذ صغره، وكانت مادّته المفضّلة حتّى أنّ رفاقه كانوا يمازحونه ويدعونه كولومبس. ولشدّة اهتمامه، كان يقرأ حتّى وقت متأخّر عن الأماكن المذهلة الّتي زارها الكابتن "كوك". ولكنّه كلّما قرأ، امتلأ قلبه حزنًا فقد كان يقرأ عن قبائل وأمم لم تسمع مطلقًا عن المخلّص. فتساءل "لِمَ لا يحمل أحد الأخبار السّارة عن يسوع إلى تلك الشّعوب المسكينة الهالكة". وفكّر في أنّ الّذين يسافرون إلى أماكن بعيدة يسافرون إمّا لاكتساب الشّهرة أو لاكتساب الغنى، لا لإخبار الآخرين عن يسوع. حزن "وليام" لأجل تلك الشّعوب الّتي تحتاج إلى معرفة أنّ خطاياها يمكن أن تُغفَر. وبما أنّه يعجز عن الذّهاب إليهم فكّر في أنّ كلّ ما بوسعه فعله هو الصّلاة لأجلهم. وهذا ما فعله: صلّى في كلّ يوم من أجل الشّعوب الّتي لم تسمع قطًّ عن المخلّص. وصنع كرةً أرضيّةً من قصاصات الأقمشة الملوّنة وجمع عدّة أوراقٍ ورسم خريطةً للعالم علّقها على الحائط حيث يعمل، ودوّن عليها كلّ المعلومات الّتي حصل عليها، كعدد السّكّان الّذين يعيشون في كلّ بلد، والّلغة الّتي يتكلّمونها والآلهة الّتي يعبدونها. وكان كلّما نظر إلى خريطته أو إلى كرته يشعر بالحزن. ففي 99 بلدًا، كان السّكّان يعبدون آلهة غريبة بدلاً من الإله الحقيقيّ الوحيد. وفي 53 بلداً آخر، كان السّكّان ينكرون خلاص المسيح.

 

شغل "وليام" فكره بملايين الوثنيّين الموجودين في بلاد بعيدة، وفكّر في إيصال الإنجيل لهم. وكان كلّما فكّر في تلك الشّعوب الهالكة في خطاياها، اغرورقت عيناه بالدّموع وانفطر قلبه وأغلق دكّانه ليضع إصبعه على مواقع تلك المناطق البعيدة في الخارطة، ويصلّي باكيًا أمام الرّبّ مطالبًا إيّاه بخلاص تلك النّفوس الّتي مات المسيح لأجلها. لقد وهبه الله قلبًا حسّاسًا نحو العالم الوثنيّ.

 

استمرّ "وليام" في صنع الأحذية وفي التّعليم والوعظ والدّرس، على الرّغم من أنّ بعضهم كان يسخر منه وينعته بالجاهل وينصحه بالتّحوّل عن الوعظ والاهتمام بعمله. أمّا هو فكان يردّ على التّهكّمات بالقول: "عملي هو أن أخدم المسيح وفي أوقات فراغي أصنع الأحذية لأكسب معيشتي".

 

الإسكافي يصير قسّيسًا

 

في أحد الأيّام، بينما كان "وليام" يوصل أحذية لأحد معارفه، سأله: "كم تكسب أسبوعيًّا في عملك كإسكافيّ؟" ولمّا أجابه "وليام"، لمعت عيناه وقال: "لن تعمل في ما بعد في صناعة الأحذية، تفرّغ للدّراسة وخدمة الكلمة والوعظ وأنا سأعطيك مقدار ما تكسبه أسبوعيًّا". قدّم "وليام" الشّكر للرّجل ورفع الحمد للرّبّ. لقد عرف أنّ الله وضع في قلب ذلك الرّجل أن يساعده ليتمكّن من التّفرّغ للدّراسة والوعظ، جاعلاً حياته وقفًا لخدمة المسيح. وصار "وليام" راعيًا للكنيسة المعمدانيّة في "مولتن" وفي العاشر من شهر آب 1786 رُسم قسًّا للكنيسة.

 

على الرّغم من انشغاله في الوعظ وفي الخدمة، لم ينسَ "وليام" الشّعوب البعيدة، فتكلّم عليهم مع زملائه الخدّام. لكنّهم لم يعيروه اهتمامًا، فقد كانوا أكبر منه سنًّا، وكانوا يعتبرونه شابًّا متحمّسًا صاحب أفكارٍ ليس إلاّ. لكنّ "وليام" لم يستسلم ولم يفشل وكان دائمًا يُشدّد على ضرورة إرسال مبشّرين إلى تلك البلدان الّتي لم تصلها كلمة الله. وفي أحد الأيّام، بينما كان "وليام" يحضر اجتماعًا للخدّام في "نورث هامبتون"، وقف أحد الخدّام المتقدّمين وقال: "ليعيّن أحدكم موضوعًا للبحث والمناقشة العامّة". فنهض "كاري" وطرح الأسئلة التّالية: "قال يسوع: اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلّها. ألم يكن يقول ذلك لنا أيضًا كما لتلاميذه؟ ألا يجب علينا أن نكرز بالإنجيل في كلّ بلد؟ فأين نحن من المأموريّة العظمى؟ ألسنا ملزمين بالعمل بها؟ ألا تقع المسؤوليّة على عاتقنا لنذهب ونكرز بالإنجيل للعالم أجمع؟"

 

لم يُسرّ مدير الجلسة بطرح "كاري"، فنظر إليه بقسوة وانتهره قائلاً:" اجلس أيّها الشّابّ. إن كان الله يريد خلاص الوثنيّين سيفعل ذلك من دون مساعدتنا". حزن "وليام" جدًّا، فالله يريد أنّ جميع النّاس يخلصون بالإيمان بابنه: "لأنّه هكذا أحبّ الله العالم حتّى بَذَل ابنَه الوَحيد، لكيْ لا يَهلِك كلّ مَن يؤمن به، بلْ تكون له الحياة الأبديّة" (يوحنّا 3: 16). لكن كيف يعرف العالم ذلك وهو لا يملك كتابًا مقدّسًا، وكيف يؤمن البعيدون إن لم يُبشَّروا!

لم يستطع "وليام" أن يسكت عمّا يشغل فكره فكيف يهدأ وكيف يستريح، ونار محبّة المسيح مشتعلة في قلبه، فتساءل كيف يُقنع المسيحيّين بضرورة إرسال مبشّرين إلى تلك البلدان. صلّى مليًّا ورفع ما يثقل قلبه أمام الله، وسعى لتحقيق تلك المسؤوليّة الملقاة على عاتقه، فكتب رسالة أظهر فيها أهميّة بعث مرسلين إلى البلدان البعيدة، كتب عن ملايين الشّعوب الّتي لم تسمع عن يسوع وقام بنسخ رسالته وتوزيعها في الكنائس ليقرأها المؤمنون. لقد صلّى بإلحاح كي يتجاوبوا مع دعوته، وهذا ما حصل: كثيرون ابتدأوا يهتمّون بالشّعوب البعيدة الّتي لم تسمع قطّ رسالة الخلاص. (يتبع في العدد المقبل: بداية الإرساليّة).

AddToAny