قيمة الإنسان

الكاتب:
العدد:
السنة:

كان أحد الفلاسفة جالسًا على مقعد في حديقة عامَّة، فتقدَّم إليه أحد المارَّة وسأله من أنت؟ وكان الجواب "يا ليتني أعرف". وضَعَ هذا العالَم الماديّ الإنسان في حَيرة من أمره وسبَّبَ له أزمة هويَّة. من هو الإنسان؟ فقد يغيب هذا السؤال في صَخب الحياة وسُرعتها، ولكن لا بُدّ أن يأتي بالنهاية وخصوصًا عند تقدُّم الأيّام أو ثِقلِها على الإنسان. هل أنا قِردٌ ناطق أو مادّة متطوِّرة أو وليد صُدفة!؟ من هو المؤهَّل أن يقدِّم الإجابة على هذه الأسئلة!؟ فمِن دون إعلان مِن مَن كان وحده موجودًا في ذاك الزمن لن نقترب من الحقيقة. يقول الكتاب المقدَّس إنَّنا "بالإيمان نفهم أن العالمين أُتقنت بكلمة الله". فبالإيمان بكلمة الله نفهم ما حصل منذ آلاف السنين وهو الذي يكشف حقيقة هويّتنا وسبب وجودنا.

إن الإنسان هو تاج خلائق الله إذ دوَّنَ الوحي "وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلَّطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم، وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التي تدبُّ على الأرض" (تكوين 26:1). فبعد أن أكمل الله خلْق كل شيء، خَلق في نِهاية اليوم السادس الإنسان. كل الخليقة قد أُعدَّت له. هي له وهو ليس أي تطوُّر منها أبدًا. هو المخلوق الأسمى الّذي "جبله الرب الإله آدم ترابًا من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة. فصار آدم نفسا حيّة." (تكوين 7:2).

نسمة الحياة هذه، من يستطيع أن يُفَصِّلَها أو يدرسها؟ فالتراب هو من التراب، أمّا الحياة فهي من الله. وضع الرّب الأبديّة في قلب الإنسان، فمن يستطيع أن يدركها؟ والايمان المسيحيّ يبدأ بقبول يسوع الخالق قبل قبوله مُخلّصًا. حتى أفهم من أنا عليَّ أن أعرف مَن صنعني ولماذا. أمّا هذه المعرفة فستُحدِّد ماذا سأفعل في حياتي.

الإنسان مخلوق على صورة الله. هو وحده الذي يملك الشخصيّة والوعي الذاتي والعقلانيّة والذكاء والقدرة على الخَلق والمحبّة والشركة والتَحادث. لهذا نعلم أنّ الله خلق الإنسان ليكون معه ويتمتّع بعلاقة به. فجعله رأس الخليقة وممثِّلُه على الأرض. كم عجيبةٌ هي محبّة الله للبشر منذ الخلق، وكم يريد الله أن يكون قريبًا من النّاس! هل يوجد من يعطي الإنسان كرامة أكثر من خالقه؟

وإذ الانسان مخلوق على صورة الله، عليه أن يعكس مجد الله. هذا هو الحّق الذي أراد إبليس من البدء أن يُبعد الإنسان عنه. أراد الله الانسان أن يعمل في الجنّة وأن يتسلَّط ويُثمر ويُخضع كلّ شيء. أراده أن يطيعه ولا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر. أراده أن يتذكَّر أن لا يثق بفهمه ولا يسعى للإعتماد على اختباره دون الاتكال على الرّب. تَمَّ السقوط ودخلت الخطيّة فدخل الموت أيّ الانفصال عن الله، وحُتِمَ على الإنسان أن يكمل المشوار في طبيعة فاسدة مستعبدة. ظهر الفادي والمخلِّص وحمل قصاص الخطيّة وانتصر على قوى الظلام وأعاد الرّجاء للإنسان بالحصول على الخليقة الجديدة التي وحدها الآن تستطيع أن تعكس مجد الله. هذا الإنسان الجديد المولود من فوق، المُجاهد ضد الخطيّة والذي ليس عبدًا ذليلًا لها هو الذي قال عنه الله قديمًا: "لمجدي خلقتُهُ وجبلتُهُ وصنعتُهُ". هذا هو حقًا الإنسان الذي يُدرك صانِعَهُ ويعرِف صورتَه ويَتَحَمَّل مسؤوليَّته. هذا هو الإنسان الذي جاء المسيح وأنقذه ونقله من سلطان الظلمة إلى ملكوته.