كرم الضّيافة

العدد:
السنة:

من الصّفات النّبيلة الّتي تُميّز تراثنا الشّرقيّ عمومًا، والشّعب اللّبنانيّ خصوصًا، هي كرم الضّيافة.  فاللّبنانيّ معروف بمحبّته للضّيف، حيث يستقبله بحفاوة ويعطيه المكانة المرموقة في بيته. فالضّيافة تعبّر عن المحبّة الّتي تربط الأشخاص بعضهم ببعض، فيتشاركون بركات الله على "الحلو والمرّ" وعلى "الخبزة والزّيتونة". 

يعود عنصر كرم الضّيافة في تراثنا الشّرقيّ إلى أيّام إبراهيم ولوط، اللّذين استضافا غرباء وملائكة وهما لا يدريان. تأصّلت هذه الفضيلة في شعوب بلادنا حتّى أصبحت تُعتبر واجبًا اجتماعيًّا مقدّسًا  لدى الكثيرين. كما تزامنت إضافة الغرباء مع نزول البركة على البيت المُضيف، كما جاء في قصّة ابراهيم الّذي حصل على الوعد بالنّسل المبارك من قِِبل ضيوفه. وإن كانت الضّيافة عادة، أو واجبًا، أو وصيّة، فهي من أجمل الفضائل الّتي يمكن للإنسان أن يتسربل بها لأنّها سبب بركة ومحبّة وشركة طيّبة، وطاعة لِمَن أوصى بها.

صفات المضيف وعناصر الضّيافة

تبدأ شهادتنا كمسيحيّين من البيت أوّلاً. فالبيت المضياف بيت مُبارك ومميّز. الأبواب المفتوحة للاستقبال وخدمة الآخرين لا شكّ في أنّها ستعود بالنّعمة على أصحابه. فالضّيافة  تعبير عمليّ عن علاقة أصحاب البيت بالرّبّ، وحُسْن الضّيافة هي نموذج طيّب للبيت الّذي تفوح منه رائحة المسيح الزّكيّة. "لا تَنسَوا إضافة الغُرباء، لأنْ بها أضاف أُناس ملائكة وهم لا يَدْرون" (عبرانيّين 13: 2).

البيت المضياف هو علامة كرم أهله وسخائهم ورغبتهم في مشاركة ضيوفهم ما أغدق به الرّبّ عليهم. إذ يتناولون الطّعام بابتهاج وبساطة قلب، وليس بالموائد الفخمة والمظاهر الرنّانة. فليس بالضّرورة أن يكون أصحاب البيت ميسورين ماديًّا، إنّما متميّزين بقلب مُحِبّ ومتواضع وراغب في البذل والعطاء "الصّانِع حقَّ اليتيم والأرملة، والمحبّ الغريب ليُعطِيَه طعامًا ولِباسًا" (تثنية 10: 18).

البيت المضياف يمجّد الرّبّ عندما تكون دوافع أصحابه نقيّة، وهدفهم ليس إظهار كرمهم وغناهم للضّيوف إنّما إظهار محبّتهم من دون تذمّر أو تململ. "كونوا مُضيفين بعضُكم بعضًا بلا دَمْدَمَة" (1بطرس 4: 9).

البيت المضياف يضع الضّيف في منزلة المسيح، ويُشعره بعمق المحبّة والرّغبة في الشّركة معه كما لو كان الرّبّ شخصيًّا جالسًا إلى مائدته. فيأتيه المديح والمكفأة من الرّبّ. "تَعالوا يا مُباركي أبي، رِثوا الملَكوتَ المُعدَّ لكُمْ منذ تأْسيسِ العالم. لأنّي جُعْتُ فأَطعَمتُموني. عَطِشْتُ فسَقَيْتُموني. كُنْتُ غَريبًا فآوَيْتُموني" (متّى 25: 34-35). 

نتائج الضّيافة

الضّيافة هي شهادة عن صدق المحبّة والإيمان. إنّها صورة مصغّرة عن ملكوت الله، حيث سنجتمع حول مائدة عشاء عرس الخروف بضيافة الرّبّ. فالشّركة مع الآخرين لها نتائج طيّبة، منها ربح النّفوس للمسيح، وكذلك لها الأثر الفعّال في إزالة الضّغينة من القلوب. فالضّيافة عمل يُسِرّ قلب الله ويفيض بالحياة على القائمين به "هوَذا ما أحْسَن وما أجْمَل أنْ يَسْكُن الإخْوَة معًا!... لأنَّه هُناك أمَرَ الرّبّ بالبَرَكَة، حَياةٍ إلى الأبَد" (مزمور 133).

إنّنا نعيش في زمن يختلف عمّا مضى؛ فالفنادق والمطاعم، اليوم، تؤمّن كافّة احتياجات الضّيافة. أمّا فيما يتعلّق باستضافة الإخوة والمرسلين والمحتاجين فلا تختلف ظروفنا، اليوم، عمّا مضى، ولا تختلف عن حاجة الشّركة بين الإخوة لأنّ تعليم الرّبّ ما زال هو هو. فعلينا ممارسة هذه الفضيلة كلّما سنحت الفرصة لنا، "لأنّنا نَحنُ عَمَلُه، مَخْلوقين في المسيح يَسوع لأعمالٍ صالِحَةٍ، قد سَبَقَ الله فأعَدَّها لِكَي نَسلُكَ فيها" (أفسس 2: 10).