كلمة الله في خضمّ لغة الأحداث

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

واجه لبنان في الأشهر الماضية فواجع أليمة، تركت انطباعات متنوِّعَة عند الشعب اللبناني وفي العالم أجمع.  لا يزال حدثُ اغتيال الرّئيس "الحريري" والنّائب "فليحان" محورَ التداول المحلّي والعالمي الأوّل.  إلاّ أنّ هذا الحدث ليس الأوّل ولن يكون الأخير.  فتاريخ العالم يشهد، منذ نشأة الإنسان، على أنّ المآسي هي جزء من ضريبة الحياة.  وفي ظروف كهذه، الإنسان مدعوّ إلى تأمّل طرق الله في تتميم مقاصده الخيّرة للناس. 

إنّ لغة الأحداث الجارية هي لغة الدّم والموت، والحزن والضّيق، والخوف والترقّب، والبغض والانتقام.  ونسأل: هل ثمّة لغة أفضل؟  ونرى أنّ كلمة الرّب تُشير إلى لغة أفضل هي لغة القيامة والحياة، والثقة والإيمان، والمحبّة والغفران، والسّلام والرّجاء.  فإلى الشريعة وإلى الشهادة، كما ينصح النبيّ إشعياء، وإلاّ فلن يكون هناك خلاص وحياة أفضل.  نجد في كلمة الله بضع كلمات حقائق تساعد على سماع صوت الله وسط الأحداث القاسية، ومنها:

الكلمة الأولى: الخير وحده هو الّذي يغلب الشرّ

تسطع هذه الحقيقة في رسالة رومية، الإصحاح 12، حيث يشدّد الرّسول بولس على وجوب مُسالمة المؤمنين جميع الناس.  لقد تعرّض بولس لنكبات قاسية، وعرف طبيعة الإنسان الخشنة في التعامل مع الآخرين، هذه الطبيعة الأنانيّة الّتي تميل إلى البغض والحسد والتعظّم والشهوة الرديئة.  فكلماته في هذا الإصحاح تؤكّد أنّ الخير هو الذي سيغلب في نهاية المطاف، وأنّ الكلمة الأخيرة ليست للشرّ بل للخير، وليست للبغض بل للحبّ، وليست للانتقام بل للغفران.  هذا هو المعنى الحقيقي للمسيحيّة والصّليب والقيامة.  لذلك "لا تَنتَقِموا لأَنفُسِكُم أيُّها الأَحِبّاءُ، بَلْ أَعطوا مَكاناً لِلغَضَب . . . لا يَغلِبَنَّكَ الشَرُّ بَلِ اِغلِبِ الشَرَّ بِالخَيرِ".

الانتقام هو التجربة الّتي تقف في طريق جميع البشر.  فـ"قايين" قام على أخيه "هابيل" وقتله، لأنّه سمح للحسد والغضب أن يملأا قلبه.  والغضب يجرّ الانتقام وأعمال الكراهية.  وهذه كلّها تقع عندما يكون المسيح خارج حياة البشر.  أمّا عندما يدخل حياتهم، فهو يزيل الكراهية ويستبدلها بالمحبّة الّتي تنشأ من الشركة اليوميّة معه، والّتي تُعين الإنسان في مختلف الظروف العصيبة.  ولنا في المسيح، الّذي اختبر أبشع أنواع الكراهية، نموذجاً لهذه المحبّة، خصوصاً حين صلّى وهو على الصّليب متضرّعا: "اغفر لهم يا أبتاه".

الكلمة الثّانية: الظلمة موجودة داخل كلّ إنسان

يُظهر الإنسان عادة الوجه المشرق أمام الآخرين، إلاّ أنّه عند المِحَن يسقط القناع عن الوجه الثاني القاتم، بل المظلم.  وهذا الوجه يقود الإنسان إلى التّفكير بالانتقام بدلاً من الغفران، وبالتمرّد بدلاً من البنيان، وبالتهكّم بدلاً من التفهّم، وباللّوم بدلاً من المبادرة إلى الخدمة، وبالحرب بدلاً من السّلام.  فقلب الإنسان "أَخدَعُ مِن كلِّ شَيءٍ، وهوَ نَجيسٌ، مَنْ يَعرِفه؟" يقول الرّب.  وبسبب الفساد الكامن في الطبيعة البشريّة، نجد الشرّ حاضراً بين الناس ويعيقهم عن فعل الحسنى. 

في كلّ إنسان طاقة كبيرة للخير، وطاقة ثانية أيضا كبيرة للشرّ.  وما حدث في لبنان في بداية هذا العام هو دلالة واضحة على وجود هذه الطّاقة الشرّيرة في الإنسان.  قد ينجح هذا الأخير إلى حين، في إخفاء شرّه، لكن عليه أن يدرك كلّ الإدراك أنّ الرّب هو فاحص القلوب ومختبر الكلى، وأنّ كلّ شيء مكشوف وعريان أمام ناظريه، وأنّه سيُعطي كلَّ واحد حساباً بحسب طرقه وأفعاله. 

عندما يعي الإنسان هذه الحقيقة يتعلّم لغة التسليم الكلّي للرّب، هذه اللّغة الّتي بها يأخذ الطبيعة البشريّة، الّتي تُسبّب آلامه، إلى الصّليب ويصلبها.  ويقول: أنا ميت مع المسيح؛  لقد قبِلْتُ في ذاتي حكم الموت لأعيش لا لذاتي بل لذاك الّذي أحبّني وأسلم نفسه لأجلي. 

الكلمة الثّالثة: النّاس هم أهمّ ما في الدنيا

يسمح الله بحدوث المصائب الّتي تؤلم أولاده، ليُعلّمهم التّمسّك بالقِيَم المهمّة في الحياة.  فبسبب التفجير الفظيع الّذي حصل في بيروت، استنارت بصائر الكثيرين فتبنّوا نظرة سليمة إلى الحياة، وعرفوا أنّ معظم الأشياء الّتي يُظنّ أنّها قيّمة هي في الواقع لا قيمة لها.  لذا تدعو كلمة الله الإنسان إلى النّظر في الأمور الّتي لا تُرى لأنّها أبديّة، أمّا تلك الّتي تُرى فهي زائلة.  لكن، ومع للأسف، هناك من يؤمن بأنّ القوّة أعظم من النعمة كـ"نبوخذنصّر" في العهد القديم، وبأنّ الشهرة أفضل من تمجيد الرّب كـ"نمرود" باني برج بابل، و بأنّ المال أنفع من الإيمان والصدق معاً كـ"حنانيا".

إنّ القيمة الحقيقيّة هي للعلاقة السّليمة مع الله المبنيّة على الإيمان الحيّ بالمسيح أوّلاً، وعلى خدمة إخوتنا البشر الّذين خُلقوا على صورة الله ثانياً.  ولقد أوصانا يسوع بأن نُحبّ الرّب من كلّ القلب ونُحبّ قريبنا كنفسنا.  ولربّما يسأل بعضهم كما سأل الفرّيسيّ المسيح: "ومن هو قريبي؟"،  فيُجيبه يسوع: "إنّ كلّ من عمِلتَ الرّحمة معه صار قريبك"، فالقيمة الأهمّ هي للناس الّذين كان المسيح يصنع لهم خيراً.  فهل نتعلّم من المسيح لغة الرّأفة والرّحمة والحنان والمحبّة لنُخاطب بها الناس الّذين خلقهم على صورته ومثاله؟  

الكلمة الرّابعة: الضّمان الوحيد هو في الرّب يسوع المسيح

إنّ الكتاب المقدّس يُعلن بكلّ وضوح أنّ المسيح هو ضمانة المؤمنين الوحيدة وسط الظروف الصّعبة.  فلِمَ يخاف الإنسان من يومه ومن غده والرّب يضمن حياته؟  يسأل كاتب المزمور: "مِنْ أينَ يأتي عَوني؟" ويجيب: "مَعونَتي مِن عندِ الرَّب صَانعُ السّماوات والأرض . . . الاحتِماءُ بِالرّبِّ خَيرٌ مِنَ التَّوكُّلِ على إِنسانٍ.  الرَّبُّ لي فَلا أخافُ، ماذا يَصنَعُ بي الإِنسان؟  قُوَّتي وتَرنُّمي هوَ الرَّبّ وقد صارَ لي خَلاصاً.  صَوتُ تَرنُّمٍ وخَلاصٍ في خِيامِ الصِدّيقينَ.  يَمينُ الرَّبّ صانِعةٌ بِبأسٍ . . . لاَ يَدَعُ رِجلكَ تَزِلّ. لا يَنعَس حافِظُكَ.  الرَّبُّ حافِظُكَ. الرَّبّ ظِلٌّ لكَ عن يدِكَ اليُمنى.  لا تَضرِبُكَ الشّمسُ في النّهارِ ولا القَمَرُ في اللّيل.  الرّبًّ يَحفَظكَ مِن كلِّ شرٍّ.  الرَّبّ يَحفَظُ خُروجكَ ودُخولكَ مِنَ الآنَ وإلى الدّهرِ"   (مزمور 121: 1-8 و مزمور 118: 8-15).

وقد وعد الرّبّ المسيح بأنّه يكون مع المؤمنين به كلّ الأيّام وإلى انقضاء الدّهر.  هذه الوعود الإلهيّة الواردة في كلمة الرّب تُشجّع المؤمنين بالمسيح على مُواجهة مختلف الظروف بإيمان وصبر ورجاء.  إنّ كلمات التعزية، الّتي يسمعها المؤمن المتألّم، من المسيح مباشرة، تدفعه إلى العُلى، فيرتفع إلى ما فوق العواصف والغيوم، وينشد: "إنّني دائماً في سلام ونفسي في حصن تُصان".    

وفي الخلاصة، ثمّة كلمة تشجيع من الرّب في خضمّ  لغة الأحداث.  تقول هذه الكلمة إنّ الخير سينتصر على الشرّ، وإنّ الحياة مع المسيح سوف تُظهِر وجه المؤمن الخيِّر والمبارك، كما إنّ القيمة الأهمّ الّتي يجب التمسّك بها هي الأمور الباقية، وبخاصّة خدمة الناس العمليّة، والضّمان الوحيد هو في العناية الإلهيّة.

أذكر في الختام قولاً لـ"دوستويفسكي": "إذا كان الله قد مات، إذاً كلّ شيء قد تبرّر."  لكنّه الحيّ الباقي إلى الأبد!  وهو إله أخلاقيّ ويريد أن يكون الإنسان ذا أخلاق عالية.  وعواصف الحياة هي امتحان للغة الأخلاق فيه.  ينهار المجتمع، والعائلات، والكنيسة، وحتّى صحّة الإنسان بسبب التهوّر الأخلاقي والابتعاد عن المُثُل العليا.  على المرء أن يسأل نفسه في خضمّ هذا الفساد الكبير الّذي يعمّ المجتمع البشريّ: هل أنا أعكس نور المسيح وصوته في المحيط الّذي أعيش فيه؟

AddToAny