كلمة تشجيع إلى مرضى الأعصاب

الموضوع:
العدد:
السنة:

أحبَبتُ في هذه الكلمة أن أوجِّه كلمة تشجيع وتعزية إلى كلّ مرضى الأعصاب.  فهم يعانون كثيراً في مجتمعنا.  يعانون من الازدراء والاستخفاف بسبب جهل النّاس لطبيعة هذا المرض، فينعتونهم بنُعوت بشعة كـ"غنّوج" ومدلَّل أو متطرّف أو مجنون أو مسكون بالأرواح الشرّيرة... وينهالون عليهم بالتّشخيصات والعلاجات والآراء المُتناقِضة.  كما يدينونهم، فيعتبرونهم غير روحيّين، لا يُصَلّون ولا يتّكلون على الرّبّ.  هم، في كلّ الأحوال، يعانون من عدم فهم الآخرين لهم، ممّا يزيد من وضعهم سوءاً، ويجعلهم يائسين، يعيشون الوِحدة وسط هذه الدّنيا.

في بداية خدمتنا الرّوحيّة، زوجي وأنا، لم يكن لدينا أدنى فكرة عن هذا المرض.  وكنّا نظنّ، كمعظم النّاس، أنّ المرض النّفسيّ هو مشكلة روحيّة، وبالتّالي حلّها روحيّ فقط، يحتاج إلى بضع جلسات من الكلام والصّلاة والتّشجيع والإرشاد.  إلى أنْ واجَهتنا حالة من هذا النّوع، عندما قَصَدنا أحدهم ليعرض علينا مشكلته.  وكنّا في كلّ مرّة نتحدّث معه لساعات طويلة حتّى يرتاح، لكنّه يعود في اليوم التّالي إلى نقطة الصّفر من جديد.  فكان الحديث كإبرة مورفين مخدِّرة لتعود الحالة مجدَّداً بعد أن ينتهي مفعولها.  حتّى اكتشفنا أخيراً، بعد استخدام شتّى الوسائل والطّرق، أنّ هناك حالة مختلفة عمّا واجَهناه في السّابق.  ممّا دفعنا إلى الاستعانة بطبيب نفسيّ، شخَّص المرض، ووَصَف الدّواء المناسب، وهكذا تحسَّنت حالة هذا الشخص.  وكانت البداية، وانفتَحَت أعيننا على واقع جديد.  فرُحْنا نَنكَبّ على قراءة الكتب المسيحيّة المهمّة في حقل الأمراض النّفسيّة وعلى دراستها لنوسّع معلوماتنا.  واستطعنا بعدها، وبالتّعاون مع الطّبيب المختصّ، أن نُساعد كثيرين، بعضهم كان يعاني من حالات حادّة.

هنا، لا بدّ من التّشديد على أمر قد يقع فيه بعضهم، فالشّخص الحزين أو المضطّرب ليس دائماً بمريض نفسيّ.  فهناك فعلاً مشاكل روحيّة وخطايا حقيقيّة تُسبِّب للإنسان الاضطراب والألم الشديد.  لنتذكّر أنّ الله لم يخلق الإنسان ليمرض، لكنّه نتيجة السّقوط، سقط جسديّاً ونفسيّاً وروحيّاً.  هكذا حلَّت الأمراض كلّها بالإنسان وكذلك الموت.  المشكلة أنّنا نتقبّل الأمراض الجسديّة بسهولة لأنّها أمر ملموس.  فإذا عانى أحدنا من "ضغط الدّم" أو "السّكّري" واضطرّ لأن يأخذ دواءً مدى الحياة، فهذا أمر مقبول.  أمّا إذا عانى إنسان ما من مرض نفسيّ حادّ اضطرّه لأن يأخذ دواءً مدى الحياة، فهو لا يتقبّل الأمر ولا حتّى عائلته ويعتبره أمراً مهيناً.

أوجّه كلمتي اليوم إلى كلّ مريض أعصاب، فأقول له: ليس أمراً مُعيباً أن تكون مريضاً نفسيّاً.  فالعيب هو في الخطيّة كالزّنى والسّرقة والغشّ والكذب، وغيرها.  إنّ الآثام مُعيبة، أمّا المرض فليس عيباً.  قد يكون مجتمعنا جاهلاً وغير متفهّم هذا المرض.  لا تَدَع الأمر يؤثّر فيك.  هذا المرض هو مرض حقيقيّ، وإذا أَلَمّ بنا، فعلينا أن نتقبّل الأمر بنُضج ووعي، فنأخذ العلاج اللازم ونشكر الله على وجوده.  أمّا علاقتنا بالرّبّ، فهي تساعدنا كثيراً، أكثر ممّا نظنّ، على تخطّي هذه المرحلة.