كلّ شيء بوقته حلو...

الموضوع:
العدد:
السنة:

من يُريد الثروة قبل وقتها يَسرُق.

من يُريد اللّذة قبل وقتها يزني.

من يُريد السلطة قبل وقتها يخون.

قليلون يعرفون أنّ كلّ شيء بوقته حلو. الناس تستعجل على تحصيل هذه الأمور بغير وقتها وبأيّة طريقة. ولا تقدر، في الوقت ذاته، أن تحتفظ بها إلى المدى الطويل. وهي لا تزيد الانسان قيمة، ولا تُحصّل له شرفًا. الأمر أشبه ببريق في العالم "يُدوِّخ" الانسان ويجعله على عجلة من أمره وغير قادر على أن يشغّل عقله برويّة فيتهوّر ويسقط. ويسقط معه أهم ما في هذه الدنيا: كرامته وحياته. أمّا دناءة النفس فتذلّ الإنسان وتحوّله إلى عبد للأشياء أو حتّى إلى عبد للأوهام.

كلفة هذه العبوديّة أكبر كثيرًا من كلفة تعلّم مفردات متل: الاكتفاء، والعفّة، والانضباط، والاجتهاد، والأمانة، والنُبل. أمّا وقد عاد الانسان إلى زمن الأبيقوريّين الّذين حلّلوا العيشة المتفلّتة على اعتبار أنه لا يوجد في الحياة ما هو أهم من اللّذة والشهوة والتحصيل والسلطة. ولم يؤمنوا بالطبع بوجود حياة بعد هذه الحياة. وما الذي عمله الأبيقوريّون؟ هل ساهموا في وضع أساسٍ للحضارة في العالم؟ هل حدّدوا قواعد تقدّم الانسان ونهضة الشعوب؟ بل من الأفضل ربّما أن نسأل: وما الذي حصل للأبيقوريّين؟ لم يحصلوا على أكثر من تمتّع عابر بالّلحظة التي كانوا فيها، ومن دخول في العار الأبديّ. على كل انسان أن يعرف هذه الحقيقة حتّى يحسّن خياراته. وتحسين الخيارات مبني على النظرة إلى قيمة الحياة. فمن نظر إلى الحياة بدناوة تدنّى. ومن اعتبر الكرامة رفع نفسه إليها. الانسان مخلوق كريم لخالق كريم. أمّا وقد "تبهدل" النسل البشري من لحظة السقوط إلى اليوم، فكلّ واحد مدعو ليرجع ويُصحّح وضعه ويسترد كرامته ويبنيها من جديد. حلوة الحياة بكرامة. حلوة الحياة بحريّة. الكرامة والحريّة مرتبطتان ببعضهما البعض. إن فرّط الواحد بإحداها خسر الثانية معها. لذلك وجب أن تُصان الحرّية بضوابط الكرامة، سياج الحريّة. أمّا الكرامة والحريّة فقيمتان تأتيان من فوق، من خارج عالم الفساد. تأتيان من عالم الـُمطلَق.

يُقال الكمال لله. فهل يعني هذا القول ابقاء الانسان في واقعية الفشل الدائم؟ ولماذا لا يشدّ الانسان نفسه نحو الكمال؟ لماذا لا ينجذب نحو الـُمطلَق؟ وهل إنه لو فعل ذلك يجد أن ما يشدّ نفسه إليه يهرب منه كما يهرب قوس القزح من الراكض وراءه ليُمسِكَه؟ البعض يؤكّد أنّ العُلى هو أيضًا كقوس القزح، بريق مجيد ولكن غير ملموس. هل نعود إذًا إلى الحياة الدنيا التي اقترحها الأبيقوريّين كي لا نعيش بالحرمان وبالتحسّر؟ هل نتبنّى الالتواء ونُشرّعه كي لا نشعر أنّنا لم نستفد من دنيانا؟ قبل أن نُجيب على هذا السؤال، لا بدّ من نعي أن "الـُمُطلَق" يمتدّ إلينا ليُعيننا على أن نعرفه ونختبره ونسمو به. هنا يشكّل سرّ التجسّد الذي يُعلِن لنا به المسيح الصورة التي نحتاجها. وهو في سرّ الفداء يُقدّم لنا عرضًا سخيًّا يُساعدنا فيه لندخل تلك الصورة المفقودة والمنشودة. السؤال: بعد هذا هل نقبل منه عرضه أم نبقى أسرى سحر يُسلّينا لحين، ويأخذ منّا لأبد؟ حرام أن يخسر الانسان نفسه وكرامته وحريّته وأبديّته من أجل حفنة مال، وشهوة سلطة، ولحظة لذّة، يأخذها بغير وقتها. الحياة حلوة مع الـمُطلَق.