كنز في الأرض أم في السّماء؟

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

يلجأ النّاس إلى شركات التّأمين وأجهزة الإنذار والمراقبة ونظام المصارف لحماية ممتلكاتهم واستثمار أموالهم. ويبقى خطر السّرقة أو الخسارة موجودًا. كم من الأشخاص فقدوا مدّخراتهم واعتلّت صحّتهم وخربت بيوتهم ومصالحهم بسبب الإفلاس أو السّرقة! لقد رافقت المصائبُ المسائلَ الماليّة منذ وجود المال في تاريخ البشر. مَن لا يملك المال ينهمك في كيفيّة جَنْيِه، ومَن يفيض عنده يقلق في كيفيّة حمايته.

ينبّه المسيح سامعيه، في العظة على الجبل، بألاّ يكنزوا لهم كنوزًا على الأرض بل في السّماء (متّى 6: 19-20). وقد أدرك تلاميذه منذ البداية كلفة اتّباعهم له. فبعضم تخلّى عن وظيفته ليلازمه، وهو ليس له "مكان يسند إليه رأسه" أو رصيد ماليّ ينفقه عليهم. فهل قصد مدحهم لقرارهم الشّجاع، أي اختيارهم الكنز الأفضل؟

الكنز الأفضل

في هذا التّعليم لا يمنع يسوع النّاس من العمل الجادّ لتحسين أوضاعهم المعيشيّة، ولا من استثمار الأموال أو امتلاك البيوت والأراضي، بل يريدهم أن يفكّروا في ترتيب أولويّات حياتهم، بحيث ينتجون الفوائد الأعلى والأبقى، فيعيشون الحياة مضمونة ومصونة ومُثمرة. إنّه يطلب إليهم أن يكونوا مسؤولين ووكلاء صالحين على كلِّ مالِهم وعلى كلِّ ما لَهم.

كيف يكنز المرء كنوزه في السّماء؟ عندما يرى الفرق بين الأمور الوقتيّة الّتي تُرى والأمور الأبديّة الّتي لا تُرى، يكون بذلك قد فتح اعتماده المصرفيّ في السّماء. عندما يزور مريضًا ويواسي حزينًا ويفتقد يتيمًا وأرملة في ضيقاتهم، وعندما يضع مواهبه وشهاداته العلميّة وخُبراته الحياتيّة في تصرّف كنيسة المسيح، يصبح غنيًّا في ملكوت السّماوات. وعندما يستثمر وقته في عبادة الرّبّ وخدمته، وفي قيادة الآخرين إلى معرفة المسيح، وفي درس الكلمة، فهو يكنز كنوزًا في السّماء. وعندما يصرف وقتًا وجهدًا في الصّلاة التّشفعيّة فهو يعمل ليس فقط للحياة الفانية، بل للأبديّة أيضًا. لا يضع الإنسان مالاً في السّماء، لكنّه حين يدفع عشوره بأمانة وانتظام بحسب تعليم كلمة الله، يحافظ على بطاقة ائتمانه فيها. يريد المسيح للإنسان، حين يغادر الأرض، ألاّ يكون قد وضع كلّ كنوزه فيها، لئلاّ يخسر كلّ شيء، كما حدث مع الغنيّ الغبيّ في لوقا 12. علّم المسيح أيضًا أنّ قلب الإنسان يتبع كنزه لأنّه "حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضًا" (متّى 6: 21).

النّور الأفضل

إنّ اختيار المرء للكنز الأفضل هو دليل على امتلاكه المعرفة الصّحيحة. يتابع يسوع حديثه في العظة على الجبل بالقول إنّ "سراج الجسد هو العين" (متّى 6: 22). تشير العين إلى النّور والفهم والقيادة. إنّها البصيرة الدّاخلية، أي مركز الانتباه والتّفكير. فإذا كانت "بسيطة" وتركِّز على كنوز السّماء يكون الإنسان واعيًا لأمور الحقّ والخير والصّلاح. عندها، يتّجه كلّ الفكر والكلام والسّلوك نحو إرضاء الله. من هنا، فإنّ التّركيز المستمرّ على أمور الدّنيا وكنوزها الفانية يُبعِد الإنسان عن التّمييز بين الصّواب والخطأ وبين الخير والشّر، ويُقفِل باب النّور فتُظلِم البصيرة ويمتلئ من الطّمع والأنانيّة. وحين يُصبِح النّور ظلاماً "فالظّلام كم يكون؟" (متّى 6: 23).

السيّد الأفضل

على المرء أن يختار سيّده الأفضل الّذي يثق به ويطيعه. "لا يقدر أحد أن يخدم سيّدَين. لأنّه إمّا أن يُبغِض الواحد ويُحبّ الآخر، أو يُلازم الواحد ويَحتَقِر الآخر" (متّى 6: 24). يستطيع الإنسان أن يعمل في وظيفتين أو لأمر مديرَين مختلفَين، لكنّه لا يقدر على أن يقدّم الولاء نفسه لكليهما؛ فواحد منهما فقط يملك الأفضليّة، أمّا الآخر فينال ما بقي من وقت وجهد. ويتابع المسيح بالقول "لا تقدرون أن تخدموا الله والمال"، ويصف المال هنا بكنوز الأرض؛ أي كلّ ما يُشتَرى بوساطته. إذًا، مَن يخدم الله فهو أيضًا يعمل من أجل المال، لكنّ الأفضليّة يجب أن تكون لله وليس لآخر! السيّد هو مَن يسيطر على الحياة ويوجّهها. فحين يتعارض مبدأ المادّة مع مبادئ كلمة الله، على المرء أن يختار السيّد الأوّل في حياته. ومن الأفضل له أن يخدم الله على أن يعصيه.

اسأل نفسك عزيزي القارئ، كم من الوقت تصرف في التّفكير بجني المال وصرفه؟ ما الدّور الّذي يؤدّيه المال في الأهداف الّتي تضعها لمستقبل حياتك؟ كم من المال تنفق من مدخولك الشّهريّ على نفسك، و على الآخرين، وعلى خدمة الرّبّ؟ ستشير إجاباتك إلى سيّد حياتك الحقيقيّ. عندما تختار سيّدك عليك أن تطيعه وأن تخدمه، فهو الذّي تثق به وإلاّ لما اخترته! فاذا اخترت الله سيّدًا، عليك ان تسلّمه قيادة حياتك وتسديد احتياجاتك وتأمين معيشتك لأنّه سيكون المسؤول عنك، وعليك أن تثق به وبقيادته. وعليك أيضًا ألاّ تقلق لأنّه هو يعتني بك. يأمر الله كلّ مَن يؤمن به قائلاً: "لا تهتمّوا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون. أليست الحياة أفضل من الطّعام، والجسد أفضل من اللّباس؟" (متّى 6: 25). هذا لا يعني ألاّ تُعِدّ سيّدة البيت لائحة الطّعام للأسبوع المقبل، ولا يعني عدم التسوّق من أجل حاجات الجسد، بل يعني بكلّ بساطة ألاّ يقلق الإنسان.

إيمان أم قلق؟

نقرأ في المزمور 19: 1 "السّماوات تحدّث بمجد الله، والفَلَك يُخبِر بعمل يدَيْه". إنّ الله الّذي خلق هذا الكون البديع قد زوّده بكلّ ما هو ضروريّ ليحافظ عليه. إنّه يهتمّ بالطّيور فيُطعمها، وبالزّهور فيكسوها، أفلا يؤمِّن احتياجات البشر أيضًا؟ المسألة هي قرار يختاره الإنسان بين الإيمان والقلق. وهما نقيضان لا يتّفقان ولا يتلازمان، واحدهما ينفي الآخر أو يقضي عليه. لذلك قال يسوع لتلاميذه "أفَلَيس بالحريّ جدًّا يُلبِسُكم أنتُم يا قَليلي الإيمان؟" (متّى 6: 30). بينما يعمل الإنسان ويجني المال، ويشتري الطّعام والثّياب، عليه ألاّ يقلق بل أن يؤمن فقط. عليه ألاّ يخاف ويرتبك، بل أن يثق بأنّ سيّده الله "سيملأ كلّ احتياجه بحسب غناه في المجد". 

لكي يكنز الإنسان في السّماء عليه أن يثق بالله الّذي هو كلّي المعرفة والقدرة وشديد العناية، وأن يضعه أوّلاً في كلّ شؤون حياته. يقول المسيح: "لكن اطلُبوا أوّلاً ملكوت الله وبرّه، وهذه كلّها تُزاد لكم" (متّى 6: 33). عندما يُعطي الإنسانُ اللهَ السّاعة الأولى من كلّ صباح، واليوم الأوّل من كلّ أسبوع، والحصّة الأولى من مدخوله الشّهريّ، ينال رضى الرّبّ ويتمتّع بحكمة إلهيّة لتنظيم إيقاع حياته ومصروفه. وهكذا، يحمي نفسه من آفة القلق. "فلا تهتمّوا للغد، لأن الغَدَ يهتمّ بما لنفسه، يكفي اليوم شرّه" (متّى 6: 34).