كولومبوس يطأ أرض أمريكا

الكاتب:
العدد:
السنة:

يا للفرحةِ العامرة. قضى الرّجال في البحر مدّةً تزيد عن ثلاثين يومًا من دون أن يروا اليابسة، وها قد ظهرت أخيرًا أمامهم بوضوحٍ تامّ. تبدّد في الحال كلّ يأسٍ وغمّ وحلّ مكانهما الأمل والرّجاء فيما أخذت السّفن الثّلاث الصّغرى تقترب أكثر فأكثر من الشّاطىء في 12 تشرين الأوّل 1492.

كلّ من يقرأ قصّة كولومبوس وحلمه في اكتشاف منطقة الشّرق، أو ما يُعرَف بقارّة آسيا، من خلال الإبحار غربًا يرى فيه مثالًا يُحتَذى  لشّخص وضع أهدافًا لنفسه لم يتراجع عن تحقيقها بالرغم مما واجهه من عقبات كثيرة. وقد انتظر كريستوفر كولومبس لستّة أعوام في المحكمة الإسبانيّة قبل أن يوافق الملك فرديناند والملكة إيزبلا على رعاية رحلته البحريّة وتمويلها. كما أنّه أقنع رجاله باستكمال رحلتهم غربًا حتّى عندما هدّدوه بالتّمرّد وقد طال سفرهم ولم يبلغوا جزر الشّرق الموعودة.

لم يتحلَّ كولومبوس مثال بالشجاعة وبالرّأي الصلب فحسب، بل كان أيضًا رجلًا مسيحيًّا عاش حياة التّقوى والقداسة ومارس واجباته الكنسيّة منتظماً في حفظ الصّوم وفي الصّلاة. كما شكّل اسمه الأوّل "كريستوفر"، وتفسيره "حامل رسالة المسيح"، دافعًا له في نشر رسالة الإنجيل في أقصى الأرض. أجرى بحثًا مطوّلًا في الكتاب المقدّس، وشعر بعد الدراسة العميقة بدعوة من الله للإبحار إلى أقاصي المسكونة حاملًا الرّسالة المسيحيّة. وهي دعوة استمدّها من زكريّا 9: 10 "وَيَتَكَلَّمُ بِالسَّلاَمِ لِلأُمَمِ، وَسُلْطَانُهُ مِنَ الْبَحْرِ إِلَى الْبَحْرِ، وَمِنَ النَّهْرِ إِلَى أَقَاصِي الأَرْضِ"، كما أنّه رأى وعدًا في المزمور 107: 23 – 24 " اَلنَّازِلُونَ إِلَى الْبَحْرِ فِي السُّفُنِ، الْعَامِلُونَ عَمَلاً فِي الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ، هُمْ رَأَوْا أَعْمَالَ الرَّبِّ وَعَجَائِبَهُ فِي الْعُمْقِ". 

وأصيب كريستوفر في الوقت نفسه بالقلق من سلطة العثمانيّين الأتراك الّذين سيطروا على شرق البحر الأبيض المتوسّط، وشكّلوا تهديدًا للقارة الأوروبية. ولو توفّرت طريقة للوصول إلى الهند من خلال الإبحار غرباً لأمكنت مهاجمة الأتراك من الخلف وربّما إنقاذ الأرض المقدّسة من براثنهم. ولا شكّ في أن كولومبوس اهتمّ جدّاً بالتّجارة وبالثّروة، لكنّ الاهتمام المسيحيّ كمن أيضًا خلف مشاريعه ومخطّطاته.

طالت فترة الابحار، فالتمس كريستوفر معونة الله له في رحلته، وما إن أطلّت عليه الأرض الجديدة حتى أطلق عليها اسم "سان سلفادور"، بما معناه "المخلّص القدّوس". وصلّى: "يا ربّ، أيّها الإله القدير والأبديّ، بكلمتك المقدّسة أسّست السّماء والأرض والبحر؛ ليتبارك وليتعظّم اسمك، وليتمجّد جلالك أنت الّذي اخترت أن تستخدمنا، نحن عبيدك المتواضعين؛ ليُنادى باسمك المقدّس في الجانب الآخر من الأرض".

أظهر كولومبوس في البداية اهتمامًا بسكّان تلك الأرض الّذين أسماهم بالهنود، وساءته طريقة معاملتهم، وشعر بأنّهم في حاجة إلى التّحرّر والاهتداء إلى الإيمان الحقيقي. كما أنّه وجد سهولةً في هدايتهم وقد بدا بأنّه لا ديناً خاصاً بهم؛ وحاول ربحهم بالمحبّة وليس بالقوّة. ولكن سرعان ما اقترن إهتمامه بخلاص هؤلاء الأشخاص بشعور من التّفوّق عليهم، بحيث برّر لنفسه أسرهم وتحويلهم إلى عبيد للأوروبيّين. وسقطت في رحلاته الأخيرة حملته التّبشيريّة الّتي برزت في رحلته الأولى، وقد فشلفي امتحان الثروة والسلطة. ومع ذلك يبقى كريستوفر كولومبس واحداً من أشهر الأعلام في تاريخ البشريّة.

AddToAny