لأنّ النّقاوة تهمّنا

الموضوع:
العدد:
السنة:

في مناسبة مرور عشرين عامًا على إعلان كنيستنا المحليّة، أذكر أنّه خلال أعوام التّأسيس 1984-1987، كان السّؤال الدّائم: أيّة كنيسة نُريد؟ وفي أثناء التّفكير والصّلاة، وجدنا كجماعة أنّه من الممكن أن نقع سهوًا في أحد الاحتمالين الخطرين: فإمّا أن نكون كنيسة "مستقيمة الرّأي"، تتغنّى بالعقيدة الصّحيحة وتُحامي عنها من دون الاهتمام بالنّواحي المسلكيّة لحياة المؤمنين؛ وإمّا أن نكون كنيسة "مُدَقِّقة المسلك" وغير واضحة العقيدة الكتابيّة.

بعد الدّرس المطوّل للوضع، وبعد التّأكّد من تحديد الرّؤيا للطّريق، عُدنا وطرحنا السّؤال مرّات عدّة: أيّة كنيسة نُريد؟ كنّا يومها حفنة من الشّبيبة، يلفّها الشّعور الجامح بضرورة أن تكون الكنيسة نقيّة، لكي يتمجّد المسيح. وقد ساعدتنا على الإجابة عن هذا السّؤال المفصليّ، في ذلك الوقت، صورة ذهنيّة جميلة للكنيسة: الكنيسة طائر ذو جناحين: جناح العقيدة وجناح الحياة. إن انكسر أيّ من هذين الجناحين، فَقَد الطّائر الجميل اتّزانه وسقط سقوطًا عظيمًا. من هنا، خرجنا بمعادلة يجب دائمًا العودة إليها:

عقيدة كتابيّة مستقيمة + حياة مسيحيّة صحيحة = كنيسة نقيّة للمسيح.

الكنيسة هي عروس المسيح. وكما أنّ الرّبّ هو رمز للنّقاوة الكاملة، يُفتَرض بعروسه أن تكون شبهه. وطالما نعيش في عصر رماديّ كلّ ما فيه نسبيّ؛ فلا أبيض ولا أسود، بل الكلّ يتلوّن ويتكيّف بحسب الظّروف والحاجة... فهل تستطيع الكنيسة، وسط هذه الظّروف، أن تُحافظ على نقاوتها؟

إنّ إلهنا القدّوس لم يكُن يومًا رجل المساومة، أو صاحب أنصاف الحلول. عندما طلب منّا القداسة، أرادنا أن نكون مثله "قدّيسين في كلّ سيرة". من هنا، فإنّ العقيدة المستقيمة، للمؤمن المسيحيّ وللكنيسة الكتابيّة، أساس لا غنى عنه. والتّعليم الصّحيح هو كالمشعل الّذي تجب المحافظة عليه كما هو، وتسليمه إيمانًا أقدس من جيل إلى آخر بكلّ أمانة. ونحن، إذ تهمّنا النّقاوة، ذهبنا إلى كلمة الله لنرى ما تعلِّمه في الثّالوث القدّوس، والوحي المقدّس، وطبيعة الإنسان والخطيّة والخلاص، والحياة الرّوحيّة والأبديّة، والكنيسة وفرائضها وممارساتها وتنظيمها؛ فوجدنا أنّ ما يعلّمه الرّبّ في كتابه كامل وثابت ونهائيّ لا يتغيّر، ومعصوم وذو سلطان وحياة. ويعلّمنا أيضًا أنّ هذا الكنز الإلهيّ يتطلّب منّا الدّفاع عنه وعدم "المُسايرة والمسير" مع غير المتمسّكين به.

هذا جناح أساسيّ لا غِنًى عنه. وكلّ كنيسة، من دونه، تبقى على الأرض عاجزة عن التّحليق في سماء النّقاوة الإلهيّة.

وبينما كنّا ندرس ونتأمّل، وجدنا أيضًا أمرًا آخر، وهو أنّ الكنيسة إذا كانت تملك التّعليم المستقيم، ولا تملك حياة صحيحة بحسبه، فهي مجرّد منبر شعارات ومنتدى عقائديّ أو مدرسة لاهوت. هذا، إن لم نقل إنّها طائر عاجز ذو جناح واحد. فأيّ تعليم صحيح هو هذا الّذي لا يُغيّر حياة أفرادها أو مسلكهم؟ وأيّ جمال فيها؟ لعلّ تأديبها يكون شديدًا وقاسيًا.

متى كانت المسيحيّة تنظيرًا وفلسفة؟ ومتى كان من الصّعب على النّاس التّمييز بين مؤمن وغير مؤمن؟ إنّ المسيحيّة هي حياة يوميّة في المسيح. والكنيسة الّتي لا تنسجم سيرتها مع رسالة الإنجيل، مهما كبرت، هي أشبه ببالون كبير سرعان ما ينفجر ولا يبقى منه شيء.

نقاوة الحياة ضروريّة، لأنّها الواجهة الّتي تجذب النّاس إلى المسيح قبل العقيدة في كثير من الأحيان. فلا أحد يتأثّر بآخر لا يفوقه إلاّ في الكلام؛ "فمَن هو مُقدَّس فَلْيَتَقدَّس بعد". لا تكتفِ بما أنت فيه، بل اطلب المزيد والرّبّ يُعطيك كما وعد.

هذان الجناحان، إن وُجدا معًا وكانا سالمين، جعلا الكنيسة حمامة بيضاء، بل نسرًا قويًّا يُحلّق في سماء النّعمة. ولأنّ النّقاوة تهمّنا، نُريد أن نكون كنيسة كهذه، طائرًا ذا جناحين، فنتواضع أمام الله ونطلب إليه أن يُعيننا مع أجيالنا الشّابة لنُرضيه في أيّام غربتنا على الأرض.