لا تفتخر يا موت

الموضوع:
العدد:
السنة:

"لا تتفاخر يا موت" "Death Be Not Proud" هي سونيتة للمؤلّف الإنكليزي جون دون (1572 - 1631). يُعتَبر جون من أبرز شعراء المدرسة الميتافيزيقيّة وأكثرهم شعبيّة في اللّغة الإنكليزيّة. تميّزت أشعاره، مقارنة بمعاصريه، بحيويّة اللّغة وبابتكار المجاز. واتصف أسلوبه بافتتاح مفاجئ ومفارقات وتعابير ساخرة واضطرابات متعدّدة. تمحورت كتاباته في البداية حول الرّومانسيّة، ولكنها أخذت، بعدما التجأ إلى الرّبّ، طابعًا روحيًّا وعكست إيمانه القويّ به. خاض جون تجارب كثيرة مع الموت، وقد خسر أحد أقربائه ووالده وأخيه الصّغير. ودوّن اثنتين وثلاثين قصيدة عن هذا الموضوع.

يتوجّه جون بالكلام، في هذه القصيدة، إلى الموت ويخاطبه كإنسان. ويحذّره بأن يتجنّب الكبرياء ويُعيد النّظر في مكانته. ويدعوه بعض النّاس "قويًّا ومُخيفًا"،ويعتبرونه ملك الجحيم، ويتجنّبونه في حياتهم اليوميّة، إلاّ أنّه ليس كذلك. ويظنّ نفسه قادراً على أن يسود على الأحياء ويهزم الأموات هزيمة ساحقة، إلا أن جون يؤكّد له بأنّهم لا يموتون حقًّا لأنّ أرواحهم ستبقى حيّة إلى الأبد. ثمّ يسخر منه وينعته بالــــ "مسكين"، وكأنّ الموت خابت كلّ آماله وبات في حاجة الآن إلى التشجيع.

ينتقل جون لاحقًا من انتقاد الموت إلى مدح صفاته الحسنة. فيشبِّهه بــــ "الرّاحة والرّقاد" ويؤكّد له بأنّه لا يجلب، كما يظنّ، الخوف والاضطراب وإنّما المتعة، لا بل "الكثير من المتعة". وسيَخطِف قريبًا أفضل الشّباب، ولا يجب مع ذلك أن يفتخر لأنّه سيعطي الراحة لأجسادهم ويحرّرهم من آلامهم ويُطلِق أرواحهم ليبدأوا حياتهم الجديدة. ويُؤكّد له بأنّه لا يستطيع أن يُنهي حياته بالكامل لثقته التّامة بأنّه سيقضي الأبديّة مع الرّبّ.

يثور جون، في ما بعد، على الموت ويجرّده من سيادته وصلاحيّاته إذ يدعوه "عبدًا للمصير والصدفة والملوك واليائسين"، أيّ أنّه لا يتصرّف من تلقاء ذاته بل يتلقّى الأوامر منهم. فالإنسان هو مَن يُحدّد مصيره، وآجاله هي في يد الرّبّ. والملوك هم مَن يرسلون الجنود إلى الجبهة ليُضحّوا بحياتهم وهم أيضًا مَن يُعدِمون الأشرار. كما إن اليائسين هم الذين يُقدِمون على وضع حدٍّ لحياتهم هربًا من الآلام والمآسي الأرضيّة، وهم بالتّالي أسياد قرارهم وليست للموت أيّة سلطة عليهم، لأنه ليس لوحده من يُسبّب الموت أو الرّقاد بل أيضًا السُّم والحرب والمرض والمخدّرات والسحر، وتأثيرها على الإنسان أقوى من تأثيره.

تصل السّونيتة إلى ذروتها في البيتين الأخيرين حيث يعتبرُ جون الموتَ مجرّد رقادٍ قصير ستقوم من بعده أجساد الموتى إلى حياة جديدة وأبديّة. حينئذٍ، لن يُصيبَ الموت أجسادهم الممجّدة. ويومًا ما، عند نهاية الأزمنة، سيُبطَل الموت ولن يكون في ما بعد.

تعكس هذه السّونيتة كلمات الرّسول بولس وهو يتحدّى الموت قائلاً "أين شوكتك يا موت؟" (1كو 15: 55). فالموت مجرّد عبور من هذه الحياة الأرضيّة إلى الحياة الأبديّة. والمؤمنون الّذين تابوا عن خطاياهم، وطرحوها عند أقدام المسيح، وطلبوا منه الرّحمة والغفران، وقبلوه ربًّا ومخلّصًا شخصيًّا على حياتهم، يتوقون إلى تلك اللّحظة التي يلتقون فيها بالفادي. فهم لا يخافون من مواجهة الموت لأنه ربح لهم.

ما أجمل أن يغادر الإنسان الحياة وهو على يقين شديد بأنّ المسيح في انتظاره على الضّفّة الأخرى ممّا يُعطي تعزية حقيقيّة لأهل بيته وأحبّائه!