لبنان... بين البعل والرب!

الكاتب:
العدد:
السنة:

لم يذكر الكتاب المقدّس وطناً بأجمل الأوصاف كما ذكر لبنان. ولا عجب في أن اسمه ورد 70 مرّة، وذُكرت كلمة الأرز 75 مرّة، ودُوّن اسم 35 مدينة وقرية من لبنان. كما تكلّم الكتاب عن 10 شخصيّات لبنانية من رجال ونساء. ولعل الأهم هي مقارنة جمال الرّب بجمال لبنان "طَلْعَتُهُ كَلُبْنَان. فَتًى كَالأَرْز" (نش 5: 15). ووصف المؤمنَ الصدّيق بأنه كالأرز في لبنان (مز 12:92). ودُعِيَ الأرز ليُسبّح اسمَ الرّب (مز148: 13). وتجلّى مجد الله على جبل حرمون، حيث أعلن الآب على الملأ: "هذا هُوَ ابني الحبيب. له اسمعوا". (مر1:9).

أعجبُ من أنّ لبنان، مع كلّ هذه الامتيازات التي احتلّها في الكتاب المقدّس، أخفق في التزامه نحو الرّب إذ عبد الفينيقيّون أدونيس وعشتروت. أمّا أدون ("رب" أو "سيّد" باللغة السامية) فهو الإله الشاب الذي انتشرت عبادته في معظم المدن الفينيقية، وعُرِفَ بأسماء أخرى. فكان أدونيس في جبيل وبعلبك، وأشمون في صيدون، وملكارت في صور. وروى المؤرّخ القديم أميانوس مارسلين (٣٣٠-٣٩٥)، في أعماله عن "الأدونيسيات": "من جانبهن، انفجرت النساء في البكاء والنحيب في ذكرى موت أدونيس، ورحن تضربن على صدورهن وتولولن وتصحن بأنّ أمل البلد قد قُضيَ عليه بالقضاء على نخبة شبابه!"

وسُمّيت البلدات على اسماء الآلهة الوثنيّة، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، بعلبك (مدينة البعل) وقرية دار بعشتار الشمالية، التي تعني دار بعل وعشتروت، وأهمية هذين الإلهين معروفة في الميثولوجيا الفينيقية ويرمزان إلى الحب والخصب. وهكذا نرى أن لبنان أساء الأمانة ولم يدفع بمجده للرّبّ بل أعطاه لآخرين، وأكثَرَ من آلهته على عدد مناطقه. وهذا لا يروق للرّبّ الذي لا يُعطي مجده لآخرين (اش35: 2؛8:42).

وأرى أن هذا الابتعاد التاريخي عن الرّبّ هو الذي يقف خلف التدهور المستمر للحالة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة والرّوحيّة والأخلاقيّة في لبنان. ولهذا السبب الجليل شهد لبنان احتلالات وتهديدات واضطرابات وحوادث وحروباً مؤلمة وخلافات وصراعات دامية وانقسامات وتحزّبات واحتلالات لا نهاية لها، حتى تمّت فيه النبوة: "اِفْتَحْ أَبْوَابَكَ يَا لُبْنَانُ، فَتَأْكُلَ النَّارُ أَرْزَكَ" (زك11: 1).

إلاّ أن وجود بقية أمينة تحافظ على عبادتها للرّب وأمانتها لإنجيله سيكون سببًا لحفظ لبنان إلى اليوم الأخير حيث  يدعو العريس السّماوي، عند مجيئه الثاني،كنيسته من لبنان قائلاً: "هَلُمِّي مَعِي مِنْ لُبْنَانَ يَا عَرُوسُ، مَعِي مِنْ لُبْنَانَ!" (نش4 :8).