لغتنا هويتنا

الكاتب:
العدد:
السنة:

لفتتني حماسة إحدى السيّدات اللبنانيّات وجذبني عشقها للغتها بعدما اعتلت المسرح، وأخذت بكلّ جرأة ووضوح تخاطب جمهورًا من الشّباب اللّبناني عن مدى تعلّقها بلغتها العربيّة وافتخارها بها. شجّعتهم على عدم الخجل من استخدام هذه اللّغة في التخاطب مع الآخرين، وبخاصة عبر وسائل التّواصل الاجتماعي. حذّرتهم من استخدام لغة عربيّة جديدة بأحرف أجنبيّة يستخدمها في العادة معظم الشّباب في تواصلهم مع الآخرين عبر الإنترنت، ولا يستخدمون لغتهم العربيّة خوفًا من اتّهامهم بالرّجعيّة. وأوضحت خطورة فقدان لغتنا الأم بفعل عدم استخدامها وهو ما سيؤدّي بالتّالي إلى أن نفقد هويّتنا. استرسلت بكلامها قائلة إنّ شرط الابداع بلغّات عدّة هو أن تبدع باللّغة الأمّ، وإنّ الطريقة الوحيدة لقتل شعب هي بقتل لغته.

كلامها أقنعني وزادني حبًّا بلغتي لكنّني لم أستطع إلاّ أن أربطه بمجتمعنا المسيحي. فلغتنا نحن كمسيحيين هي لغة الكتاب المقدّس الّذي من خلاله نستطيع أن نعبّر عن إيماننا وعقيدتنا وبالتّالي عن هويّتنا. لكن حالنا كمسيحيين مع الكتاب كحال هذا الجيل مع اللّغة العربيّة. فالكثيرون يعتبرونه كتابًا صعبًا لا يمكن فهمه، قديمًا ومعقّدًا لا يواكب عصرنا وبالتّالي يخجلون من استخدامه في حياتهم اليوميّة خوفًا من اتّهامهم بالرجعيّة والتّخلّف. يحجبون عيونهم عن قراءته ويصمّون آذانهم عن سماعه. بل يذهبون إلى ما هو أبعد، فينتقدوه ويتهجمون عليه وعلى كل من يتمسّك بشدّة بكل كلمة وردت في هذا الكتاب؛ وهم، إذا استخدموه، يُدخلون عليه مبادئ غريبة هو منها براء.

الكتاب المقدّس هو كلمة الله الموحى بها، أعطانا إياها الله عبر أنبيائه ورسله القدّيسين لنؤمن بهام ن أجل خيرنا وخلاصنا. ولا تهدينا معرفتنا العميقة بالكتاب المقدّس إلى طريق الخلاص والحياة الأبدية وحسب، بل تساعدنا أيضاً على أن نبدع وننجح في مجالات حياتنا على هذه الأرض. وصحيح أنه ما علينا، إذا أردنا قتل شعب، إلا أن نقتل لغته. ولا عجب بالتالي إن رأينا المسيحيين اليوم في وضعهم الحالي المهترئ بسبب بعدهم عن الكتاب المقدّس وتمسّكهم بأباطيل هذا الدّهر الّتي لن تؤدّى إلاّ إلى هلاكهم.

لغتنا هويتنا، فلنفتخر بكتابنا المقدّس ولنضعه على رؤوسنا حتى تضبط كلمة الله عقولنا. ولنسخّر كل فكر من أجل طاعة المسيح. ولنحفظه في قلوبنا حتى تزكّي كلمته حياتنا من دنس العالم، ولتكن أقواله على شفاهنا سبب بركة ونعمة للسامعين.