لماذا الأولاد؟

العدد:
السنة:

إنّها رغبة وحلم كلّ زوجين، وبخاصّة في الشّرق الأوسط، أن يكون لهما أولاد. فما إن يتزوّج اثنان حتّى يلاحقهما النّاس بالقول "يلّلا شو ناطرين؟" "عقبال عريس أو عروس". ولكنّك، مع هذا، تسمع أحيانًا بعضهم يقول "أنا أحبّ أن أتزوّج، لكن لا أريد أولادًا"، مبرّرين ذلك بأسباب كثيرة: الأولاد هَمّ كبير، والأيّام أصبحت صعبة، والماديّات قليلة. أمّا الصّبايا الجميلات فيخفن على شكلهنّ من التّشوّه! بالطّبع هذا لم يكن قطّ في قصد الله. فالرّبّ قصد للإنسان أن يتزوّج ويُرزَق بالأولاد. وإذا لم يُرزَق بالأولاد فهذه تكون مشيئة الله له، وعندها يعمل الإنسان المستحيل للعلاجات أو للتبنّي. ويبقى السّؤال: لكن لماذا الأولاد؟

                                              أهداف خاطئة لإنجاب الأولاد

إنّ الهدف من الأولاد ليس ليحملوا اسم العائلة! نحن في الشّرق الأوسط يهمّنا استمرار اسم العائلة من جيل إلى جيل. وبخاصّة إذا كانت العائلة من العائلات العريقة الّتي تنتظر الصّبيّ لكي لا ينقرض الاسم. يهتمّون بالاسم أكثر من أثر هذا الاسم وصيته في المجتمع.

الأولاد ليسوا ليُحقّقوا ما لم يستطع أهلهم تحقيقه. كم من أب حلم بأن يصير طبيبًا أو محاميًا أو ... ولم يستطع تحقيق هذا، فسعى بكلّ جهده لإكمال حلمه من خلال ابنه.

الأولاد ليسوا لكي يفتخر الأهل بنإجازاتهم أمام الآخرين. "ابني مدير المؤسّسة الفلانيّة". "ابني راتبه كذا". أو "ابني يسكن في شقّة دوبلكس"... الأولاد مدعاة للفخر بالنّسبة إلى كثير من الأهل. لكن أسألكم، هل أولادكم سبب فخركم أو مركزهم وانجازاتهم؟ فلننتبه. يجب أن يكون فخرنا، بالدّرجة الأولى، بهم كأشخاص وبأخلاقهم وإنسانيّتهم وصدقهم وأمانتهم...الخ.

الأولاد ليسوا للتّسلية وإشباع الغريزة. صحيح أنّ غريزة الأمومة قويّة، والبيت من دون أولاد صعب، والأولاد يملاؤون البيت، لكن هذا ليس حتمًا قصد الله من إنجابهم. كم من أشخاص ينجبون ليملأوا فراغ وحدتهم! وهل يا تُرى أولادنا دمى أو ألعاب نتسلّى بها؟

الأولاد ليسوا خدّامًا لآخرة أهلهم. يشعر الأهل بالخوف على آخرتهم من دون أولاد. لكن كم من أهل جاءت آخرتهم بسبب أولادهم، فقهرهم أولادهم لأقصى الدّرجات ممّا سبّب لهم آلامًا كثيرة.

الأولاد ليسوا بممتلكات نملكها. ينظر الأهل إلى أولادهم وكأنّهم ملكهم للأبد. ولهذا يُصدَمون في المستقبل عندما ينصرف الأولاد إلى حياتهم الخاصّة، فيعتبرونهم خونة.

فكّر في كلّ نقطة من النّقاط السّابقة بإخلاص. فكلّها يجمعها عامل واحد مشترك هو الأنانيّة، والأنانيّة فقط، أي الـ"أنا" ومحبّة الذّات. وأنا لا أنكر أنّ المجتمع قد ساهم كثيرًا في زرع هذه الأفكار فينا بالإضافة إلى جهلنا لكلمة الله.

أهداف صحيحة لإنجاب الأولاد

سبق ورأينا الأهداف غير الصّحيحة من إنجاب الأولاد، لكنّنا لم نرَ بعد ما هي الأهداف الصّحيحة لذلك. من هنا، علينا العودة إلى السّؤال: لماذا الأولاد؟ ما هي الأهداف من إنجابهم؟

الأولاد أولويّة للعائلة. ليسوا ليكونوا قبل الله بالطبع، ولكنّهم محور اهتمامنا وعطائنا. كم أشعر بالأسى لكثير من الأمّهات اللّواتي يضعن عملهنّ ومهنتهنّ "career" قبل أولادهنّ، فيُضحّون بأولادهنّ ليحقّقن ذواتهنّ في المجتمع. طبعًا هنّ لا يَقُلن هذا ولا يَشعُرن به في دواخلهنّ، لكنّ الواقع الصّريح هو هذا. وكم من أب يتخلّى عن دوره الأبويّ فيغيب عن البيت بهدف تحصيل المزيد من المال. ليس عجيبًا أن يقول الرّبّ عن المال إنّه "إذا ابتغاه قوم طعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة". دراسات كثيرة أظهرت أنّ الكثير من أزمات الأولاد الأخلاقيّة والنّفسيّة سببها غياب الأهل المتواصل، ونقصهم العاطفيّ، الّذين يحاولون ملأه بكثير من الأمور الخاطئة.

الأولاد مسؤوليّة. الله خلق الإنسان لا ليعيش لنفسه، بل لغيره. نحن مؤتَمنون على تربية أولادنا كما يليق في الرّبّ. يقول الحكيم سليمان: "ربِّ الولد في طريقه، فمتَى شاخ لا يَحيد عنه" (أمثال 22: 6). لذا، فإنّ أيّ تقصير من قبلنا نتحمّل مسؤوليّته أمام أولادنا والمجتمع، وفي الدّرجة الأولى أمام الله. نعم، نحن سنقدّم حساب أمانتنا لله في الحفاظ عمّا أعطانا إيّاه ووضعه في أيدينا. قال أحد القادة في العهد القديم: "أمّا أنا وبيتي فنَعبُد الرّبّ".

الأولاد هم عطيّة من الله. يُحدّد الكتاب المقدّس أنّ ثمرة البطن هي من عند الرّبّ، وبالتاّلي الأهل موكَلون على الوكالة الموضوعة أمانة في أعناقهم. ما أجمل أن يقول الأب: "هأنذا والأولاد الّذين أعطانيهم الرّبّ".  يتمسّك بعض الأهل بقول جبران خليل جبران: "أولادكم ليسوا لكم، أولادكم أبناء الحياة"، لكي لا يُربّوا أولادهم تربية محافظة. أمّا الحقّ فيُقال، وهو أنّ أولادنا ليسوا لنا، هم لله ونحن مُوكَلون على أمانة غالية يجب أن نعتني بها خير اعتناء.

الأولاد يجعلوننا نختبر هدفًا أسمى لحياتنا. فبدلاً من أن نحيا لأنفسنا يرزقنا الله الأولاد لنتعلّم أن نعيش لغيرنا، فنُعطيهم ولا ننتظر أن نأخذ منهم شيئًا. ومن خلال وجود الأولاد وتربيتهم نفهم أبوّة الله لنا أكثر، وبذلك تسمو حياتنا.

الأولاد نفوس خالدة أحبّها المسيح ومات لأجلها ليخلّصها. أولادنا نفوس ثمينة ودعها الله بين أيدينا لنقودها إلى معرفة الله واختبار خلاصه، وبالتّالي إلى الحياة الأبديّة معه. لقد أحبّ المسيح الأولاد، وعندما انتهرهم التّلاميذ وبّخهم وقال لهم: "دَعوا الأولاد يأتون إلَيَّ ولا تمنعوهم لأنّ لمثل هؤلاء ملكوت السّماوات".

ماذا تُغيّر هذه الحقائق فينا؟

تصحيح الأولويّات. فحاجة الولد إلى الرّعاية والعاطفة والوقت والتأديب أهمّ من حاجته إلى الحرّيّة والهدايا والمال الكثير، والّتي يظنّ الأهل أنّهم، بها، يُعوّضون عن غيابهم المستمرّ عن أولادهم. على الآباء والأمّهات أن يعرفوا أنّ أولادهم قبل نفوسهم، وقبل النّاس والمجتمع وقبل المهنة والهواية، وترتيب المنزل والزّيارات والصّبحيّات والعلاقات الاجتماعيّة والواجبات... رعاية الأولاد تتطلّب رعاية روحيّة ونفسيّة وجسديّة وذلك لتكوين شخصيّة متوازنة ومرتاحة وخالية من العقد النفسيّة.

أمانة حقيقيّة في التّربية. التّربية الحقيقيّة هي تربية متوازنة فيها المسموح والممنوع. فيها الحبّ والحزم. فيها الدّلال من دون الدّلع. فيها الاحترام والقِيَم. فيها عطاء حقيقيّ من دون انتظار أيّ مكسب. إنّها عمليّة تضحية لا متناهية. "وأنتم أيّها الآباء، لا تُغيظوا أولادكم بل ربّوهم بتأديب الرّبّ وإنذاره". 

نظرة متساوية إلى الصّبيّ والبنت من دون تمييز. يُميّز الكثير من الأهل بين أولادهم الذّكور والإناث. ليتهم يعرفون أنّه "ليس ذكر ولا أنثى في المسيح". فإذا كان المسيح لم يُفرّق بين الاثنين، فعلينا نحن أيضًا أن نُربّي الصّبيّ كما البنت بمسؤوليّة ومحبّة وأمانة والتزام واحد.

اهتمام خاصّ بنفوسهم الخالدة. إنّ توجيه الأولاد نحو محبّة الله خالقهم، ليقبلوا خلاصه ويعيشوا بموجب كلمته، هو أمر يجب أن نفعله بأمانة، وإلاّ ماذا ننتفع لو أعطيناهم المال والعلم والمركز والجاه وخسروا نفوسهم في النّهاية؟ وكيف نُحصّنهم في مجتمع مليء بالشرّور وبخاصّة أنّنا لن ندوم لهم للأبد؟ وحده الرّبّ الّذي أحبّهم أكثر منّا يبقى معهم الى أبد الآبدين.

في النّهاية، نتذكّر أنّنا وإن كنّا أهلاً إلاّ أنّنا لسنا كاملين، ولدينا أخطاؤنا الكثيرة كبشر، والّتي تُعذّبنا وتؤلمنا وتقودنا حتّى إلى اليأس، بخاصّة عندما يظهر أنّ أولادنا غير متجاوبين مع تربيتنا لهم. ليتنا في هذه الظّروف، أو في غيرها، نُصلّي طالبين من الرّبّ نعمة خاصّة وحكمة، لندرس مبادئ التّربية بعمق وبحسب كلمة الله  ولنقوم بدورنا كأهل كما يجب.

AddToAny