لماذا خلقَنا الله؟

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

نتساءل في أحيان كثيرة: لماذا خلقنا الله؟ ونمضي في نقاشاتنا اللاهوتية إلى حدّ طرح السؤال: هل خلق الله الإنسان لأنه يحتاج إلى من يكون في شركة معه أو إلى من يُحبه أو يعبده؟ وتقود مناقشة هذا السؤال إلى الخلاصات التالية: أولاً، إن وجود الحاجة يعني وجود النقص. وثانياً، إذا هدفت عمليَّة الخلق إلى تأمين الشركة مع الإنسان وكسر وحدة الله، فهذا يعني أنَّ الله غير كامل في طبيعته وصفاته ويوجد ما يحتاج له. ومن المنطقي أن يكون الله مُكتفياً بذاته ووجوده، لأنَّه الله الكائن. ثالثاً، وبالمنطق نفسه، فإن الله لا يحتاج إلى من يعبده. ويظهر من المشاهدات والاختبارات في هذه الحياة، أن الإنسان هو من يحتاج إلى الله وليس العكس، وهو من يختار عبادة الله تعبيرًا منه عن تقديره ولذّته بصانعه ومُخلِّصه.

ويمكننا، ونحن نحاول أن نجيب على الأسئلة المتعلّقة بسرّ الوجود، أن ننظر إلى الخلق بوصفه نتيجة لممارسة الله لطبيعته الخَلَّاقة والمُبدعة، وتعبيراً خاصاً عن حكمته ومحبّته. فعندما يَخلق الله فإنّما يخلق لهدف، ولا بدّ من تحقيق هذا الهدف. بالتالي فإن الله يتمجّد ويُسرّ عند نجاح كُل أهدافه وإنجازها. ولهذا يقول في سفر إشعياء النبي: "وَلِمَجْدِي خَلَقْتُهُ وَجَبَلْتُهُ وَصَنَعْتُهُ" (7:43).

يؤكد لنا سفر التكوين أن الله عندما خلق الإنسان، خلقه عل صورته ومِثَاله، كاشِفًا بذلك عن صلاح خطته عبر انتقاء أفضل صورة لهذا الإنسان. وبعدما سقط الإنسان وشوّه هذه الصورة، عَمِل الله شخصياً، بالمسيح، على خلاصه وعلى استعادة تلك الصورة. فالخَلق هو دوماً قُدرة إبداع وجمال ومُتعة؛ والوجود الإنساني أجمل من عدمه؛ والشركة والمحبة هما من معاني الحياة الراقية وتجلبان السرور إلى قلب الله والإنسان معًا. وكلّ جمال وفرح نتمتع به الآن هو بفعل هذا الخلق. 

ونستنتج في الخلاصة، أنّه، وبسبب عمق فكر الله وغنى حكمته، لا بد من وجود أسباب كثيرة ومُتشَعِّبة لخلق الإنسان، ونحن نجهل الكثير منها ومن مقاصد الله الأزليَّة. لكن ما نتيقّن منه هو أنَّه من الرائع أن نكون هنا على هذه الأرض ليكتشف كل واحد منّا الهدف السامي من وجوده. ومن المؤكّد أن هذا السبب سيكون مُنسجمًا مع ظروفه ومواهبه، وأحيانًا كثيرة مع تَطَلُّعاته وأحلامه.