"لَقَد عَمِلَتْ بي حَسَناً"

الموضوع:
العدد:
السنة:

مرقس 14: 1-9

المقدّمة

في قصّة المرأة الّتي سَكَبت الطّيب على رأس يسوع، نتعلّم أنّ حُكم الله على أعمالنا هو أهمّ من حُكم النّاس عليها.  نحن نقوم بخدمات عديدة، ونَلقى الكثير من المَدح عليها، وهذا مهمّ بالنّسبة إلينا، لأنّنا نُحبّ الظّهور ونحتاج إلى التّقدير.  إلاّ أنّني أشدِّد على أنّ الأهميّة تكمن في حُكم الله علينا.  يقول الرّسول بولس: "لو كُنتُ أًُرضي النّاسَ، لمْ أكُنْ عَبداً للمَسيح".  لقد اغتاظ التّلاميذ ممّا عمِلَته مريم، وكذلك يهوذا الإسخريوطيّ، وربّما غيرهم أيضاً.  لكن، ما فكّر فيه التّلاميذ ليس مهمّاً، بل ما قاله الرّبّ يسوع: "اترُكوها! قَدْ عَمِلَت بي عَمَلاً حَسَناً".

أريد أن أتكلّم على هذه المرأة برجاء مقدّس، ورجائي أن نمتثِل بها جميعنا.  لقد عمِلَت هذه المرأة بالمسيح عمَلاً حسناً، وكلّ ما يُعمَل للمسيح يُسرّه وله رائحة أبديّة.  ونقرأ شهادة الرّبّ يسوع، له كلّ المجد، عن المرأة: "الحَقَّ أقولُ لكُم: حَيثُما يُكرَزُ بِهذا الإِنجيلِ في كلِّ العالَمِ، يُخبَرُ أيضاً بِما فَعَلتهُ هذِهِ، تَذكاراً لها".

نرى في هذا العمَل سبع ميزات جميلة:

إنّه عمل تمجيد

أرادت مريم أن تُكرِم المسيح شخصيّاً عندما سَكَبت الطّيب على رأسه، فكلّ نقطة منه كانت إكراماً وإجلالاً له.  وهي لم تكنْ في تلك السّاعة تفكّر في عمل محبّته، ولا في كلمات النّعمة والحقّ الّتي طالما نطَقَت بها شفتاه المقدّستان، بلْ عرفت محبّته بخلاص نفسها من الخطيّة، وبقيامة أخيها لِعازَر من الموت، وتلذّذت بكلمات الرّبّ وهي تجلس عند قدمَيه، فتملّكتها روح العبادة لذلك القدّوس المُبارك، ممّا جعلها تذهب وتُحضر قارورة الطّيب، وتسكبها بكاملها على ربِّها وسيِّدها.

كان الاقتراح أن يُباع الطّيب ويُعطى ثمنه للفقراء، لكنّها أرادت أن تُقدِّم للمسيح عطيّة شخصيّة.  لقد أعطَته الكثير من خلال الفقراء، إلاّ أنّ ذلك لم يُشبِع قلبها، بلْ رغِبَت في بذْل الكثير للّذي أصبح أفقر الفقراء من أجلها.  أظنّ أنّ مريم عرفت الرّبّ أكثر من التّلاميذ.  لقد اخترقت عيناها الحجاب بعد يومَين من هذه الحادثة، عندما دخَلَ الرّبّ كمَلِكٍ إلى أورشليم، وكان لا بدّ من أن يُمسَحَ كَمَلِكٍ، غير أنّ مريم هي الوحيدة الّتي قامت بذلك.  مرثا اهتمّت بالنّاس والطّعام، أمّا مريم فلمْ ترَ سوى يسوع، لهذا أكرَمَته ومسَحَته ملِكاً، فهي لا تعرف ملِكاً سواه.

 

إنّه عمل حسن

ونسأل: ألا يجدر بنا أن نعمل شيئاً حسناً للمسيح؟ ألا يجب أن نُقدِّم له الإكرام؟  وربّما تسألني: كيف أُكرِمُه؟  الجواب: اسأل قلبك، فهو يجب أن يَدلُّك.  لو أنّ أحداً قال لمريم أن تَعمَلَ العَمَل الّذي قامت به، لما كان لعملها أيّ بهجة في حياتها.  بلْ إنّ قلبها المملوء بالمحبّة لشخصه، هو الّذي دفعها لإكرامه.  قدَّمت له الطّيب، وسَكَبته على رأسِهِ وقدَمَيه، أمّا الباقون، فشمّوا رائحة الطّيب ولم يتمتّعوا به.  إنّ أعظم فرح يمكن أن يحصل عليه إنسان، هو أن يعمل للمسيح عملاً حسناً يُسَرُّ به، ويُفرِح قلبه.

إنّه عمل محبّة

يُخبرنا الكتاب المقدّس أنّ امرأة أخرى عمِلَت عملاً عظيماً أيضاً، وهي تلك المرأة الخاطئة، الّتي جاءت بالطّيب وعمِلت كما مريم، ولكنّها مزَجَت الطّيب بدموعها، وغسَلَت بهما رجلَيه، ومسحتهما بشعر رأسها، وقبّلتهما بشفتَيها، وقد باركها الرّبّ.  أمّا عمل مريم، فكان عمل محبّة وعبادة.  لقد غُفِرت خطيّتها عندما جلست عند قدَمَي الرّبّ يسوع واختارت لها النّصيب الصّالح، فطفح قلبها بذلك الحبّ السّماويّ الّذي سكَبه الرّوح القدس بغنىً فيه، وهي لمْ تكن لتتعرّف إليه لو لم تجلس عند القدمَين المقدّستَين.

نحن نُحبّه لأنّه هو أحبَّنا أوّلاً، وأنقَذَنا من نار جهنّم، وفتَحَ لنا باب السّماء، فعلينا أن ننسى أنفسنا، ونفكّر فيه دون سواه، ذاك الّذي تشهدُ له السّماء والأرض أنّه الأمجَدُ بين الألوف، والأبرَعُ جمالاً من بني البشر.  فهل تتملّكك محبّته، وتستولي على عقلك وقلبك، ليس لما عمله لأجلك فقط، بل لأنّه المسيح؟

إنّه عمل تضحية

إنْ كان يهوذا يُشكر على شيء، فلأنّه كان مُخمِّن قدير.  ونحن نعترف له بالجميل، لأنّه أخبرنا في إنجيل يوحنّا أنّ هذا الطّيب كان يساوي ثلاثمئة دينار.  إنّها تقدِمة عظيمة، من امرأة ليست بمَلِكةٍ أو أميرةٍ، ولا أظنّ أنّها كانت تملك ثروة، بلْ كان هذا الطّيب كلّ ثروتها؛ لذلك كانت تقدِمَتُها ثمينة.  وهي إنْ كانت تريد أن تقدّم للرّبّ فيجب أن تُقدّم الأثمن.  وأظنّها فكّرت في نفسها أنّها لم تقدّم كفاية، فلو كانت تملك عشرات القوارير من الطّيب، لسَكبَتها على رأسه.  لم تقدِّم له زيت الزّيتون، مع أنّها كانت تستطيع أن تقدّم الكثير منه فهي تعيش في جبل الزّيتون، بلْ أرادت أن تقدّم الطّيب المسحوب من آلاف الأزهار والورود.  أرادت أن تُضحّي في سبيل من ضحّى لأجلها، وتُقدّم له الثّمين.  إذا كانت رائحة الطّيب قد ملأت البيت، فإنّ ذكرَها الممدوح قد ملأ الأجيال.

 

 

 

إنّه عمل مدروس

قال الرّبّ يسوع: "إنّها لِيَومِ تَكفيني قَد حَفِظَتهُ."  فلم يكن عمل المرأة وليد السّاعة، بل مدروساً ومحفوظاً للوقت المعيَّن.  لا ريب في أنّها درَسَت الوضع منذ مدّة، ورأت بعض الأخوة والأخوات يتأثّرون بكلامه، فيندفعون للعطاء ولسدِّ الحاجات.  أمّا هي فحفِظت تقدِمتها لوقت أفضل، ولحاجة أسمى.  أظنّ أنّها عندما كانت جالسة عند قدمَيه، سمعته يقول: إنّ ابن الإنسان سوف يُسلَّم إلى أيدي النّاس، وسيُهان ويُقتل، وفي اليوم الثّالث يقوم.  لقد فهِمَت أنّه جاء لكي يموت، وفكّرت في نفسها: سأحفظ هذا الطّيب لتَكفينه.  وأنا لا أتعجّب إنْ كانت قرأت إشعياء 53: "لكِنَّ أحزانَنا حَمَلها، وأَوجاعَنا تَحَمّلها. والرّبُّ وَضَع عليهِ إِثمَ جَميعِنا"، فافتكرت في نفسها قائلة: إنّه إنْ ماتَ، فهو بحاجة إلى العطور، وها هي تحفظ عطرها لأجل تكفينه.

كلّ عمل مدروس ومُصمَّم لأجل المسيح له جمال خاصّ.  وأنتَ، هل صمَّمتَ على أن تُقدّم للرّبّ أفضل ما عندك؟  هل تذكر تلك الأرملة الّتي قدّمَت كلّ ما تملُك، والّتي شهِد الرّبّ عنها بقوله: لقد أَعطَتْ أكثَرَ مِنَ الكُلّ؟  لِمَ لا تتشَبّه بهاتَين الامرأتين؟

إنّه عمل صامت

أُحبّ أن أُقدّم هذه المرأة مريم قُدوة لجميع الأخوة والأخوات.  فهي لم تُكلِّم أحداً بأمر الطّيب، ولمّا سكَبته على رأسه، لم تقلْ كلمة واحدة.  مَرثا كانت صاحبة الكلام والعمل.  أمّا مريم، فكلّ ما كُتِب عنها أنّها قالت: "يا سيِّد، لوْ كنتَ ها هُنا لمْ يَمُتْ أخي".  ولأنّها لم تتعوَّد الكلام، فقد استعارت كلماتها من أختها مَرثا، الّتي قالت الكثير.  كانت مريم تُكثر من التّفكير وتُقلِّل من الكلام، وتعلَّمت أن تجلس عند أقدام المسيح كثيراً.  وعندما حان الوقت، عمِلَت مريم للمسيح أكثر من مَرثا.  ونلاحظ أنّ الرّبّ لم يقلْ عن مَرثا ما قاله عن مريم، على الرّغم من كلّ حسَناتها.

إنّ الكلام الكثير يسبّب الخراب.  لا ننسى قول الكتاب المقدّس: "كَثْرَةُ الكلام لا تَخلو من مَعصِيَة".  فالكلام الكثير يُخرِب ما نحاول أن نعمله لمجد الرّبّ.  والعمل الحَسَن هو في ألاّ تُظهِر ذاتك، بل تجعل الطّيب ينسَكِب على رأس السيّد وأنت تَختفي.  فأعمال المحبّة الصّامتة لها صوت موسيقيّ في أُذنَي الرّبّ.  يا ليتنا يا أحبّائي نُكثِر من العمل ونُقلِّل من الكلام، فنتبارَك نحن ويتبارَك الآخرون أيضاً.

إنّه عمل تذكاريّ

لم يُرِدْ التّلاميذ أن يسمعوا شيئاً عن موت المسيح، وبطرس قد انتهَره قائلاً: "حاشاكَ يا ربّ".  لكنّ مريم كانت تضع قلبَ سيِّدها إلى جانب قلبها، وبدلاً من أن تهرُب من الفكرة آمَنت بها وصدَّقتها.  أنا لا أعلم كم كانت تعرِف عن موت المسيح، لكنّه شهِد لها قائلاً: "لتَكفيني حفِظَته". 

إنّ أمجَدَ عمل يقوم به المؤمن، هو الّذي له علاقة بالدّم وقوّة الصّليب.  وأمجَدَ رسالة يمكنه أن يُسلّمها ويتكلَّم بها، هي الكِرازَة بيسوع المسيح وإِيّاهُ مَصلوباً.  إنّ أعظَم المؤمنين، بل أقدَسهم، هو المؤمن المصلوب.  وكلَّما تأمّلنا في آلام المسيح وغفرانه لنا، ازدادت قداستنا.  فليس هناك ما يولِّد حياة في قلوب النّاس إلاّ المسيح المَصلوب.  فإن كان قلبُكَ معه، وتتأمّل في كلّ ما عمِلَه لكَ باستمرار، تستطِع أن تعمَلَ لأجْلِه أعظَم الأعمال.

الخاتمة

نتعلّم من هذه المرأة أنّ هناك الكثير من الأعمال النّابعة من القلب الّتي بإمكاننا أن نقوم بها للمسيح.  فيا أخي، تعالَ نَنزِع الخطيّة، فهي ذبَحت ربَّنا.  تعالَ نَدفِن الكِبرياء، فالمسيح دُفِن لأجْلِنا.  تعالَ نسلُك بجِدّة الحياة، فالمسيح قام.  تعالَ نتّحِد به، فنموت معه ونُدفَن معه ونقوم معه، عندها يكون كلّ ما نعمله شَبَعٌ لقلبِهِ.  لقد آمنت مريم بقيامة المسيح، هو الّذي قال على مسامعها عند قبر أخيها لِعازَر: "أنا هوَ القِيامَةُ والحياة"، كما سمعته يقول أيضاً: "بِما أنّي أنا حيٌّ، فأنتُم ستَحيَون، ومَنْ لهُ الاِبنَ لهُ حياةٌ أبَديَّة".  ثقتها بأنّ المسيح هو رئيس الحياة جعلتها تُقدِّم كلّ ما عندها له.  فهو الحيّ المُقام من بين الأموات، ويستحقّ أن نخدمه ونُكرمه ونسجد له ونعبده.