ماذا تركنا للمسيح؟

العدد:
السنة:

قال يسوع: "مَن أحبَّ أبًا أو أمًّا... ابْنًا أو ابْنةً أكثَر منّي فلا يستَحقُّني، ومَن لا يأخُذ صليبَه ويتبَعني فلا يستَحقُّني". لا شكّ في أنّ هذه الكلمات،كان لها وقع صعب على مسامع تلاميذه الّذين بُهِتوا، فسألوه: "إذًا مَن يستطيع أن يَخْلُص؟" فكان جوابه لهم: "هذا عند النّاس غير مُستَطاع، ولكن عند الله كلّ شيء مُستَطاع". وفجأة، يُجيب بطرس، وبصيغة الجمع، قائلاً: "ها نحنُ قد ترَكْنا كلّ شيء وتبِعْناك. فماذا يكونُ لنا؟"

ونسأل أنفسنا: ماذا ترك بطرس ورفاقه في سبيل اتّباع المسيح؟ هل يقصد تركهم للبحر وشباكهم وزوارقهم، وكانت هذه مصدر رزقهم؟ مَن يقرأ الإنجيل المقدّس يعرف أنّ الرّسل تركوا كلّ شيء ليلحقوا ذاك الّذي دعاهم: "أترك كلّ شيء واتبعني!"

نقرأ عن النّبيّ موسى: "لمّا كبِرَ أبَى أنْ يُدعَى ابْنَ ابْنَة فِرْعَون، مُفضِّلاً بالأحْرى أنْ يُذَلَّ مع شعْب الله على أنْ يكون له تمَتُّع وقْتِيٌّ بالخطِيَّة، حاسِبًا عارَ المسيح غِنًى أعْظَم من خزائِن مِصْر، لأنَّه كان ينْظُر إلى المُجازاة" (عبرانيين 11: 24-26). وهكذا نرى أن موسى ترك عرشًا عظيمًا في البلاط الفرعونيّ لكي يخدُم شعب الله.

وربّ سائل يقول: ألم يكن ممكنًا لهؤلاء أن يخدموا الرّبّ من دون أن يتركوا ما تركوه؟ كما يبدو هذا غير ممكن. فالله دعاهم دعوة سامية إلى أن يتبعوه فيستخدمهم، وهم أطاعوا من القلب ووضعوا حياتهم في يدي خالقهم ليستخدمهم كما يشاء. وقد اعتبر كلّ منهم أنّ العيش للرّبّ أفضل من العيش لأيّة قضيّة أخرى. فهم، في تركهم لحياتهم السّالفة، صمّموا أن يعيشوا عيشة جديدة مع المسيح. وكانوا ينظرون إلى ما خسروه وكأنّه لا شيء، وما ربحوه مع يسوع وكأنّه أكبر ربح في الحياة. قال بولس في هذا الموضوع: "بلْ إنّي أحْسِبُ كلّ شيء أيضًا خَسارَةً من أجْلِ فضْلِ معْرِفَة المسيح يسوعَ ربّي، الّذي من أجْلِه خَسِرْتُ كلّ الأشْياء، وأنا أحْسِبُها نُفايَة لكي أرْبَحَ المسيح" (فيلبّي 3: 7-8). لقد آمن جميع هؤلاء أنّ الله يستحقّ حياتهم، الّتي إن استثمروها معه، ربحوها وربحوا معها الكثير من البركات منه، وإن أبقوها بعيدًا عنه خسروها.

لكن، مَن هو هذا الإله الّذي ترك التّلاميذ وموسى وآخرون غيرهم، كلّ شيء لأجله وتبعوه؟

إنّه الرّبّ الإله القادر على كلّ شيء، خالِق السّموات والأرض، الإله المهوب القدّوس البارّ. إنّه الإله الّذي ترك كلّ شيء لأجلِنا، وخلع رداءه السّماويّ وأخلى نفسه "آخِذًا صورَة عبدٍ، صائِرًا في شبْهِ النّاس. وإذْ وُجِد في الهيئَة كإنْسانٍ، وضَعَ نفسَه وأطاعَ حتّى الموت موْتَ الصَّليب" (فيلبّي 2: 7-8). إنّه البارّ الّذي ترك كلّ شيء لأجلنا ليأتي ويموت عنّا ويُخلّصنا من خطايانا.

وماذا تركنا نحن لأجلِه؟

قال الرّبّ يسوع: "إنْ أراد أحدٌ أنْ يأتِيَ ورائي فلْيُنْكِر نفْسَه ويَحْمِل صَليبَه ويَتْبَعْني، فإنَّ مَن أرادَ أنْ يُخَلِّصَ نَفْسَه يُهْلِكُها، ومَن يُهْلِك نَفْسَه مِن أجْلي يَجِدُها. لأنَّه ماذا ينْتَفِعُ الإنْسان لو ربِحَ العالَم كلَّه وخَسِرَ نَفْسَه" (متّى 16: 24-26).

هل نستطيع القول مع موسى وبولس والتّلاميذ، إنّنا تركنا كلّ شيء في هذا العالم لأجْل المسيح، أو أنّنا نتمسّك بالعالم الحاضر وملذّاته ولا نتركها لأجل ربح المسيح، فنخسره ونخسر حياتنا، كما فعل ذاك الشّابّ الغنيّ الّذي رفض تلبية دعوة المسيح مُفضّلاً التمسّك بأمواله، الّتي ظنّها مصدر سعادته وأمانه في الحياة؟

AddToAny