ما الذي يؤخرني؟

الموضوع:
العدد:
السنة:

كانوا  ما زالوا يقتربون من المنزل حين بدؤوا يسمعون صوت البكاء والنحيب، الآن تأكّد موت الصبية! ذلك الصباح كان الوالدان قد اتفقا أن يطلبا مساعدة من هو قادر أن يشفيها. ذهب الأب وقلبه مملوء بالرّجاء، يأمل أن يحصل معه ما لم ينَله كثيرون. فابنته مريضة منذ وقت لكنّها الآن على "آخرِ نسمةٍ"، وهو من محبّته مستعدّ أن يفعل لها كلّ ما أمكنه. اليوم سلّم أمره وألقى رجاءه على يسوع. فهم أن الحاجة إلى واحد دون سواه، ذهب إليه وطلب بلجاجة المتألم، فلبّاه يسوع. أما الآن وهو يسمع أصوات الحزن أدرك تمامًا أنه تأخّر. ربما تأخيره كان بسبب كبريائه، إذ هو رئيس مجمع لليهود. أو أنّه كان يؤجل متكلاً على الأطباء فيتجنّب الإحراج. وربما كان التأخير بسبب الجموع الكثيرة التي زحمتهم في طريق العودة. أعذار واقعية إلا أنها لن تعيد الغالية. في هذه اللحظة وهو يقترب من المنزل، انقبض قلبه، وارتجفت شفتاه وامتلأت عيناه بالدموع.

يا لها من لحظة رهيبة، لحظة خسارة كلّ شيء. مجرّد التفكير بأنّ تمرّ بها يجعلك تشعر بالخوف والأسى. أسباب كثيرة جعلت هذا الرجل يتأخّر في طلب الشفاء لابنته من المرض، وخلاصه هو وزوجته من آلام رؤيتها تتعذّب. هكذا نحن أيضًا، نتأخّر في الذهاب إلى القادر على أن يضمن لنا الحياة. بعضنا يمنعه كبرياؤه من ذلك، يثق بالـ"أنا"، يتّكِل على برِّه الذاتي وصلاحه. يقول في نفسه: "يا ربّ أنا جيّد لذلك ستقبلني". مثل الفريسي الذي وقف في الهيكل يعدّد فضائله في صلاته. وبعضنا يعرف الحق ويريده، لكنّه يؤجّل لأن الأفضليّة في الوقت الحالي هي لأمور الحياة وضمان المستقبل. وعندما يرتاح سيأتي بكلّ سرور. وقسم آخر تزحمه الجموع المحيطة به، فتجعله يشكك وتحرجه وتُشغله عن طلب الأساسي والأهم، بل تقوده إلى اللهو والتسلية. كثيرة هي الأعذار لكن النتيحة واحدة: في لحظة لا ننتظرها نخسر كلّ شيء.

رائع هو موقف يسوع في هذه القصّة. فعلى الرّغم من تأخير الرجل في المجيء إليه وتركه ابنته تتألَم بالمرض إلى الموت، نراه لا يلومه أو يؤنّبه أو يرفضه. لقد عرف يسوع تمامًا قلب هذا الرجل وألمه. رأى إيمانه الذي دفعه للتواضع والانكسار، وجعله يترك كلّ شيء ويأتي إليه، فشجّعه وواساه. في وسط الضّيق والآلام، يأتي صوت الرّب دائمًا ليقول لنا ما قاله لهذا الرجل: "لا تخف، آمن فقط". هي كلمات قليلة، لكنّها مقتدرة وقويّة في مفعولها. لم تمض دقائق كثيرة حتى رأى الوالدان ابنتهما قامت ومشت. نحن أيضًا، إن طلبنا وجهه بالتأكيد سيُلبي نداءنا ويأتي إلينا ويصنع في حياتنا عجائب. ما أعظم رحمتك يا رب! أنت تقبل الإنسان مهما كان ماضيه وفكره، فقط إن أتى إليك مستسلمًا لمشيئتك. كم هي غنية نعمتك يا يسوع، إذ أنت تعطي المؤمن المتواضع راحةً وسرورًا لا يُعبّر عنه. لنتقدّم بثقة إلى يسوع دون تأجيل، لنمدّ أيدينا ونمسك بيمينه الممدودة باستمرار، ولنكن دائمًا مؤمنين أنه سيقبلنا ويشرق بنوره السماويّ في قلوبنا.