ما هي حاجتك الأولى؟

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

"الأولويّات"، كلمة يختلف مضمونها بين فرد وآخر. فهنا شابّ أولويّاته إنجاز دراسته الجامعيّة وآخر أولويّاته إيجاد زوجة مناسبة له. وهناك رجل يتعب ويكدّ للتّقدّم والازدهار في العمل بهدف الوصول إلى مركز مرموق، وآخر همّه الوحيد إيجاد وظيفة ثانية تسنده في دفع أقساط منزله الجديد. وهناك امرأة أولويّاتها زوجها وبيتها وأخرى تصرف كلّ وقتها في تربية أولادها والسّهر عليهم.

جميع هذه الاهتمامات محقّة وضروريّة، إلاّ أنّها تأتي في المرتبة الثّانية والثّالثة إن أدركنا ما هي حقيقة حاجتنا الأولى والأساسيّة. من الصّعب، بل من المحزن، ألاّ يدرك المرء ما يحتاج إليه حقًّا، فلن يستطيع الجوعان أن يسدّ جوعه إذا اشترى معطفًا بدلاً من رغيف خبز، ولن يتعلّم الأُمّيّ إذا أمضى وقته في الملهى بدلاً من المدرسة، ولن تنخفض حرارة طفلي إن داعبتُه وأطعمتُه بدلاً من أخذه إلى الطّبيب. لذا، من المهمّ جدًّا، بل من الضروريّ أن نعلم ما هي حاجتنا القصوى.

هذا ما لم يدركه الشّابّ الغنيّ الّذي أتى إلى يسوع مُعتقدًا أنّ كل حاجاته قد سُدّدت. فهو غنيّ ذو أموال كثيرة، صاحب أخلاق جيّدة ومُتديّن، إذ قد حفظ جميع الوصايا منذ حداثته. لكنّ الرّبّ يسوع المسيح علم ما يحتاج إليه حقًّا، إذ "نظر إليه وأحبّه وقال له: يُعوِزك شيءٌ واحدٌ. اذهب بِعْ كلّ مالَكَ... وتعال اتْبَعْني حاملاً الصّليب". وهو أيضًا ما لم تدركه مرثا، تلك المرأة الّتي وإن استقبلت يسوع في بيتها، إلاّ أنّها كانت مرتبكة ومهتمّة بأمور كثيرة، أجبرت الرّبّ يسوع على توبيخها، قائلاً لها: "مرثا، مرثا، أنت تهتمّين وتضطربين لأجل أمور كثيرة، ولكنّ الحاجة إلى واحد". ألا نشبه نحن هاتين الشّخصيّتين؟ فمنّا مَن يعتقد أنّه قد اكتفى بغنى العالم ولم يعد يحتاج إلى شيء، ومعظمنا مأخوذ بأمور هذه الحياة وضغوطاتها حتّى أنّنا لم نعد ندرك ما هي حاجتنا الأولى.

نتعلّم من النّبيّ داود، الّذي، على الرّغم من امتلاكه عدّة امتيازات كالسُّلطة والمال والجاه، علم أنّه بحاجة إلى شيء واحد وهو الأهمّ من كلّ ما يملك: "واحدة سألت من الرّبّ وإيّاها ألتمس. أن أسكن في بيت الرّب كلّ أيّام حياتي لكي أنظر إلى جمال الرّبّ وأتفرّس في هيكله". فبالنّسبة إليه، كانت العلاقة الشّخصيّة اليوميّة مع الرّبّ أمرًا عزيزًا على قلبه أكثر من أيّ شيء آخر، لذا يدعو الجميع قائلاً: "ذوقوا وانظروا ما أطيب الرّبّ، طوبى للرّجل المتوكّل عليه". مريم أيضًا، أخت مرثا، أدركت أنّ جلوسها عند أقدام الرّبّ يسوع لتسمع كلامه وتحفظه في قلبها وتعمل به، هو النّصيب الصّالح في هذه الحياة.

نعم، إنّ حاجتنا الأولى هي أن نقبل المسيح في حياتنا كمخلّص وغافر لخطايانا، ونعترف به ربًّا، ونتبعه يوميًّا. فمهما كانت مكانتنا في هذه الحياة علينا أن نعتبر أنّ علاقتنا القويّة بالرّبّ وخدمتنا له هي أولى حاجاتنا، فإن لم نكن مستعدّين لتسليم زمام حياتنا بالكامل للمسيح فإنّ ضغوطات هذا العالم واهتماماته ستقف حائلاً بيننا وبين الولاء له. وهكذا، نمضي حزانى ومغتمّين مثل ذاك الشّابّ الغنيّ لأنّنا نكون قد انصرفنا عن نور الحياة. إنّ الأعمى الّذي التقى بالمسيح وشُفي، أدرك أمرًا واحدًا: أنّه كان أعمى والآن يبصر. بالقرب من الرّبّ فقط راحتنا وسعادتنا الحقيقيّتين، فعِشْرته مُلذّة ورفقته مُمتعة. ليتنا نكون أقرب إلى الرّبّ يسوع، فقِصر هذه الحياة واقتراب مجيئه ثانية يعلّماننا أن نطلب أوّلاً ملكوت اللّه وبرّه، وهذه كلّها تُزاد لنا.

AddToAny