محبّة... تضحية... فنكرانٌ للجميل

العدد:
السنة:

عاشت فتاةٌ عمياء مع والديها في قريةٍ جبليّة صغيرة. منحها أهلها العطف والحنان وبذلوا قصارى جهدهم ليجعلوا ابنتهم الوحيدة تتمتّع بجمال الكون والخليقة، إلاّ أنّ جهودهم باءت جميعها بالفشل. ومع ذلك، أكرم الله هذه الفتاة برجلٍ مثقّف وغنيّ ووسيم جدًّا يتحلّى بصفات أخلاقيّة راقية. قدّم لها كلّ ما تتمنّاه فتاةٌ من فارس أحلامها من بيتٍ فخم وسيارة حديثة وأمور أخرى تفوق تصوّراتها. أحبّا بعضهما البعض محبّة شديدة وطلب يدها للزّواج. إلاّ أنّ شرط الفتاة الوحيد هو أن تراه بعينيها قبل الزّواج.

مرّت الأيّام وها حُلمها يتحقّق أخيرًا. خضعت الفتاة لعمليّة زرع، وما إن استردّت بصرها حتى طلبت بسرعة أن ترى حبيبها؛ وهنا كانت المفاجأة. صُدمت جدًّا لرؤية أن الشّاب الّذي أحبّته للموت وتمنّت أن تتزوّجه رجل أعمى. خابت كلّ أمالها وتبدّدت كلّ أحلامها وأظلمت الدّنيا في وجهها. فسألها والفرحة تغمر قلبه، "هل ترغبين الآن، وقد أبصرتِ، في الزّواج بي؟" اعتذرت منه ورفضت العرض. وعندما همّت بالخروج، أمسك بيدها والتفت إليها قائلاً: "أتمنّى أن تستمتعي بحياتك، ولكن أرجو منك أن تحافظي على عينيَّ".

نلتقي في مسيرتنا في هذه الحياة بأناسٍ نحبّهم من كلّ قلوبنا ونضحّي بحياتنا من أجلهم ونقف إلى جانبهم وسط المِحَن والشّدائد ونشجّعهم، حتّى أنّنا مرارًا كثيرة ننسى أنفسنا إذ نستنفد كلّ قوانا الجسديّة والنّفسيّة والماديّة في سبيل إسعادهم وتأمين الرّاحة لهم وتلبية احتياجاتهم. ولكنهم عندما يحصلون، في آخر المطاف، على مبتغاهم يتنكّرون لنا وكأنّ شيئًا لم يكن. نحن بكلّ تأكيد، لم نكن نخدمهم طلبًا للمدح والشّكر والتّقدير وإنّما من محبّة الله الّتي انسكبت في قلوبنا. ومع ذلك، نُجرَح ونُحبَط ونُصدَم من ردّة فعلهم.

يتدخّل الله في الحال ويُذكّرنا بوعوده الصّادقة ويطلب منّا ألاّ نكلّ ونفشل في عمل الخير لأنّ تعبنا ليس باطلاً في الرّبّ. لن يضيع أجر أيٍّ منّا، وسنحصد حتمًا ما زرعناه. وهكذا تتعزّى قلوبنا إذ يتبادَر إلى ذهننا قول الرّبّ "ليس عبدٌ أعظم من سيّده" (يوحنّا 15: 20).

فالمسيح جال في كلّ مكان يصنع خيرًا ويُشبِع الجياع ويشفي المرضى ويُقيم الموتى ويُطلق المأسورين والمسكونين بالأرواح النّجسة أحرارًا ويُخلّص النّفوس الهالكة من نار جهنّم، لكنه كثيرًا ما قوبِل بالشّتم والإهانة والبصق والرّفض لا بل نوديَ بصلبه. أدخل البهجة والغبطة على قلوب كالثيرين وغيّر مجرى حياتهم، ولكنهم سرعان ما تنكّروا له ولم يقابلوه بالشّكر والعرفان بالجميل.

ومع ذلك، لم يتوقّف يومًا عن خدمة الجموع. وهو لم يضحِّ بعينيه فقط، كما فعل الشّاب، بل بذل نفسه أيضاً على الصّليب وسفك دمه الثّمين ليمنح البشريّة غفرانًا للخطايا وسلامًا مع الله وفي الدّهر الآتي حياةً أبديّة. هكذا يكون المسيحيّ الحقيقيّ مستعدًّا لأن يُقدّم نفسه كشمعة ذائبة لإنارة ظلمة الحزانى.

AddToAny