مخترع البرايل: أعمى يقود أعمى نحو النور

الكاتب:
العدد:
السنة:

عِندَ الساعة الرابعة صباحًا مِن شهر كانون الثاني سنة ۱۸۰۹، وفي قرية صغيرة قرب باريس، وُلِد لويس برايل الإبن الرابع لمونيكا وسيمون صانع الجلود. كانت العائِلة مُلتزمة ومُحافِظة، أما لويس فكانَ ضعيف البُنيَة حتى أنّ أبويه خافا أنه لن يعيش.

كان لويس طفلاً فَطِنًا وينظرُ بثَقَبٍ إلى الأمور. الخوف مِنَ الموت المُبكِّر الذي رافقَ ولادته لم يكُن مُبَرَّراً. إلا أن المصيبة حلَّتْ عليه وهو لم يزَل يانِعًا في الثالثة من عُمره. نَبَّههُ والداهُ عن العبَثِ بعدَّةِ والده، لكنَّه لم يُصغِ. وذات يوم وكان لوحده حاولَ أنْ يَقُصَّ الجلد بمخرز حاد، وإذا بالمخرز يعطُبُ إحدى عينيهِ مُسبّبًا نزيفًا حادًا سُرعان ما تحوَّل إلى إلتهابٍ أصابَ العين الأخرى. وهكذا أصبحَ لويس ضريراً في عينيه كلتيهما.

توفيَ كاهنُ الرعيَّة في تلك الأيام فحَلَّ والدُ لويس مكانَهُ وسُرعان ما ابتدأ يكتشفُ موهبةَ إبنه فباشرَ بتعليمهِ إذ عيَّن أحد المدرسِّين الأكفَّاء لتدريسه. لم يطُل الوقت كثيرا قبل أن يُرسَلَ لويس إلى الكلية الملكية للعميان. وهناك برهنَ على أنَّه شخصٌ مُميزٌ، فبالإضافة إلى المواد التي أبدع فيها كان له ذوقاً خاصاً بالموسيقى. فقد رافق التشيللو والأورغن حياة لويس لسنواتٍ عديدة.

خلال وجود لويس في الكلية الملكية للعميان تقدَّمَ أحدُ الأساتذة النافذين بفكرة مشروع الحُروف النافرة المُسمَّى Barbier’s System، لكنّه كان يفتقرُ إلى الدِّقة. كان لويس صبياً يانعاً لكنّه وضعَ نُصبَ عينيه إصلاح الخلل الموجود في نظام الحروف النافرة. في البدء إعترضَ المسؤول عن لويس أنْ يقبَلَ النَّصائح بهذا الخصوص من صبيٍ صغير، فما كان من لويس إلا أنْ انْكَبَّ على إصلاح الخلل خلال فترات الليل. وفي عُمر الخامسة عشرة إستطاع لويس، عبر استخدامه الآلة عينها (المخرز) التي سببت عماه، أن يُطوِّر نظاماً مُتكاملا للحروف النافرة المعروف بالبرايل (Braille). وفي سن التاسعة عشرة طوَّر نظام البرايل للموسيقى، وفي سن العشرين أصبح أستاذاً في المدرسة التي أسَّسها.

عندما باشر الكتابة عن نظام برايل حرص لويس على عدم نُكران فضلَ أستاذه الأول وأرجعَ الجميلَ له. هذا بالرغم من أن أستاذه حاربهُ وحاول جاهداً أنْ يجعلَ نظام الحروف النافرة الذي إخترعه هو الحرف الرسمي في الكلية الملكية للعميان لكنه لم يفلح. وبذلك أصبح نظام البرايل الذي طوره لويس هو النظام الرسمِّي للحروف النافرة حتي أيامنا المُعاصرة.

أخفى لويس برايل في تواضعهِ العميق الكثير من الجدارة والنجاح، حتى البعض من أساتذته وقفوا ضده حفاظاً على مراكزهم. يُذكر أنه وفي خضم نجاحاته تخلَّى عن وظيفة لَعِبِ الأورغن في الكنيسة والسبب أنَّ ضريراً آخراً كان مُحتاجًا لهذه الوظيفة أكثر منه.

أصابَ لويس مرض السِّل عندما كان رجلاً شابًا. وهو على فراش الموت قال كلماتٍ رائعة عبَّر فيها عن تواضعهِ ومحبَّته. "لقد سُرَّ الله أنْ يضعَ أمام عينيَّ روائع خالصة من الرجاء الأبدي، فلا شيء يُبقيني مُتمسِّكًا بهذه الحياة على هذه الأرض سوى ذلك الرجاء." وفي ظهيرة أحد أيام كانون الثاني من سنة ۱۸۵۲، صارع نسَمات الموت الأخيرة. وهكذا إنتهت حياة لويس برايل عن عُمرٍ يانعٍ، ولكن إختراع البرايل إستمرَّ بعدَهُ بتأثير كبير عانقَ الأرض كلها، معطياً البصرَ للكثيرين.

AddToAny