مدينة الله العظيم

الموضوع:
العدد:
السنة:

المزمور 48

        كُتِب هذا المزمور إثرَ هزيمةِ ملوكِ موآب وعمّون وجبل سعير، الّذين أتوْا لمحاربةِ الملكِ يهوشفاط في أورشليم.  وقَعَتِ الهزيمةُ بعد أن جعلَهم الله يقومون الواحد ضدّ الآخر ويَهْلِكون جميعاً من دون أيِّ جهدٍ من أبناءِ يهوذا.  فأصبحَ المزمورُ ترنيمةَ شكرٍ لله لهذا النّصرِ، وتسبِحةً لأورشليم، المدينةِ المباركةِ، مدينةِ الله الحيّ الّذي جَعَلَ عرشَهُ فيها.  ما كُتِبَ هنا عن أورشليم في القديم ينطبق على كنيسةِ العهدِ الجديد. فالوحي يُؤكِّدُ  ذلك بقولهِ: "بلْ قد أَتيتُمْ إلى جبلِ صِهيَونَ، وإلى مدينةِ الله الحيّ وكَنيسةُ أبكارٍ مَكتوبينَ في السّماوات" (عب 22:12-23).  إذاً، أورشليم، مدينة الله العظيم، هي رمزٌ روحيّ لكنيسة العهد الجديد.  السّؤال هو: ماذا يقول المزمورُ 48 عن هذه المدينة؟

        أوّلاً: مدينة الله العظيم هي مدينةٌ جميلةٌ:  جميلةٌ لأنّها متشامخة على رأس جبلِ صهيون، وجميلةٌ بقصورِها وأبراجِها وشوارعِها المتلألئة تحت أشعّة الشّمس. كانت أورشليم فخرَ يهوذا وإسرائيل ومشتهى الأمم، والملوك الّذين أتَوا لِمُحاربَتِها بُهِتوا بجمالِها العجيب.  كانت مدينةً ملوكيّةً اختارَها ملِكُ الملوكِ بين جميعِ بنات (مدن) الأمم.  الكنيسةُ هي أيضاً، مثلُ أورشليم، باهرةُ الجمالِ في عيونِ المسيح.  في نشيدِ الأنشادِ يقول لها الرّبُّ: "أنتِ جميلةٌ يا حبيبتي . . . حَسَنةٌ كأورشليم" (نش 4:6 و 10:2).  لكن، على أيِّ جمالٍ يتكلّمُ الرّبُ؟  بالطبعِ ليس على الجمالِ الخارجيّ، بل على جمالٍ من نوع آخر؛ فجمالُ الكنيسةِ ليس بارتفاعِها وبأبنيتِها، بلْ بقربِها من الله مصدرُ كلِّ جمالٍ، فإنْ اقتربت الكنيسة من مُخلِّصِها وأحبّته تتزيّنْ عندها ببرِّه، فيُرفِّعها ويُمجِّدها، فتُصبح شبيهة به.  وهنا نسأل: هل يرى النّاس في الكنيسة جمال يسوع، أو أصبحت ملامح العالم أقوى؟ صلَّى الربّ للكنيسة لتُحفظ من شرّ العالم (يوحنا 17).  ومِنْ أجل ذلك، على الكنيسة أن تلتصق بعريسها السّماويّ قائلةً: "أنا لحبيبي وحبيبي لي" (نش 6: 3).

 

        ثانياً: مدينة الله العظيم هي مدينةٌ قويّةٌ:  العدد 13 يقول: "ضعوا قلوبَكم على متارِسِها".  هذه المتارسُ ترمُزُ إلى قوّة المدينةِ المحصّنةِ وإلى دفاعاتِها ضدَّ الهجماتِ والمخاطر؛ فالملوكُ، عندما رأَوها بأسوارهِا وأبراجِها، أدركوا أنَّ التغلُّبَ عليها مستحيل؛ فاضطربوا، ووَقَعَ عليهِم خوفٌ مروِّعٌ.  ولكنّ حصنَ أورشليم الحقيقيّ لمْ يكنْ في أسوارِها وأبراجِها، ولا في قوّة أبنائِها، بلْ في قوّة إلهِها الّذي جعَلَ أعداءَها يهربون من أمامِها.  الكنيسة هي أيضاً قويّةٌ بإلهِها الّذي يحميها بقوّتِه كلَّ حينٍ.  كما كَتَبَ "مارتن لوثر": "الله ملجأٌ لنا وقوّةٌ على الدّوام، عونٌ شديدٌ ثابتٌ، في الضّيقِ حصنٌ وسلام". وهناك في الكنيسة، وفي ظلّ الحماية الإلهيّة، يحتمي أولاد الله من هجمات إبليس من دون خوف، إذ وعد الرّبّ أنَّ أبوابَ الجحيم لنْ تقوى عليها، وهي ستنتصر في النّهاية.  وهنا، لا بدّ من التّوضيح أنّ الرّبّ عندما قال إنّ أبواب الجحيم لن تقوى على الكنيسة، كان يقصد أنّها هي الّتي تقوم بالهجوم لاختطاف النّفوس من سلطان الخطيّة، وأبواب الجحيم هي الّتي تنهار أمامها.  فتدخل الكنيسة، بكلمة الله وبشهادة يسوع، إلى قلوب النّاس بهدف تحريرهم ونقلهم إلى ملكوت الله.

        ثالثاً: مدينة الله العظيم هي مدينةٌ مقدّسةٌ:  فأورشليم، وبالتّحديد جبلُ صهيون، هو المكان الّذي اختارَه الله لهيكلِه، فصارَ جبلاً مقدّساً، يؤمّه المؤمنون لملاقاة القدّوس وعبادتِه.  كذلك الكنيسةُ، الّتي تبرّرت بذبيحةِ المسيحِ، ودُعي أعضاؤها قدّيسين، يجب أن تكون مقدّسة بالحقّ من أجل شهادة فعّالة في وسط العالم.  عندما أتى موسى إلى محضرِ الرّب في جبلِ حوريب أمرَهُ الله أن يخلعَ حذاءَه من رجليهِ، لأنّ الموضعَ الّذي كان واقفاً عليه أرضٌ مقدّسة لا يجوز تدنيسها.  كذلك، على الكنيسة أن تخلع عنها دنس العالم، من تقاليد باطلةٍ وشهواتٍ ونجاساتٍ وخطايا، وأن تحفظَ نفسَها بلا عيبٍ ولا لومٍ حتّى يوم انتقالها إلى الأمجاد.  وهي تملك فرصة إظهار الله للعالم من خلال قداسة حياة أعضائها السّالكين بقيادة الرّوح القدس، فيُضيئون قدّام النّاس، ويَرى العالم أعمالهم الحسنة ويُمجَّد أباهم الّذي في السّماوات (متى 5: 16).  الكنيسة، في أيّامنا هذه، مدعوّة أكثر من أيّ وقت مضى، إلى أن تكون شعباً مقدّساً يعرف الفرق بين الحياة المقدّسة والحياة المدنّسة، ويسعى للبقاء حصناً للقداسة وسط جيل ملتوٍ كما قال الرّسول بطرس.

        رابعاً: مدينة الله العظيم هي مدينةٌ أبديّة:  فالعدد الثّامن يقول: "إن اللهَ يُثبّتُها إلى الأبد".  ولكنَّ أورشليم قديماً تخلّت عن ربِّ الجنود الّذي بناها وزيّنَها وحفِظَها من شرّ الأمم.  لذلك، فالمدينة الّتي عرَفَها كاتب المزمور، والهيكل الّذي وُجِد أيّام المسيح دُمِّرا تدميراً كاملاً، ولم يبقَ منهما سوى بعضِ المعالمِ الأثريّة.  الرّبُّ نفسُه تنبّأ بذلك عندما قال لتلاميذِه: إنّه "لا يُترَك هَهُنا حَجرٌ على حَجرٍ لا يُنقَض" (مت 2:24).  إذاً علامَ يتكلّم المزمور؟ بالطبع ليس على مدينة أورشليم القديمة، بلْ على أورشليم الرّوحيّة المتجسِّدة في كنيسة العهد الجديد.  فمجد الكنيسة أبديٌّ، لا كمجدِ ملوكِ الأرضِ الزائلِ، ولا كأورشليمَ الأرضيّةِ المخيِّبةِ، بل مجدٌ إلهيّ تستمدُّه من السّماءِ، إذ حيث يكونُ الرّبُّ ستكون هي أيضاً.  السّؤال الّذي يَطرَحُ نفسَهُ: مِنْ أيّ صنف هي كنيستنا؟ هل هي من الكنائس الّتي تبقى، أو من تلك الّتي تزول؟  والحقّ أنّها تضمن استمراريَّتَها في اختبارِها نهضةً روحيّةً دائمةً.  لذا يجب أن يُجدّد المؤمنون عهودَهم للرّبّ، مصمّمينَ على العيش بأمانةٍ وطاعةٍ له.  فوحدهم الأمناء ينالون إكليلَ الحياةِ الّذي وعدَ به الرّبُّ الّذين يُحبّونَه.

        إذاً، الكنيسةُ هي مدينةُ الله العظيم.  فهو بانيها وواهبُها الجمالَ والقوّةَ والقداسةَ، وحافظُها إلى الأبد.  مجدُها كليٌّ وقد عمَّ المسكونة، لا كمجد أورشليم الأرضيّة الّتي كانت لشعبٍ واحدٍ.  دعونا نعطي المجدَ لله باريها، فهو كان ومازال معَها عبر العصور، وسيكون مع كلِّ شخصٍ آمنَ بالمسيح في هذه الحياة وعند الممات وبعد الممات.  وسيأتي اليوم الّذي يُكَلَّلُ فيه فرحُ المؤمنين بعودةِ الرّبّ مع المدينة المقدّسة أورشليم الجديدة النّازلة من السّماء من عند الله، المهيّأة كعروسٍ مزيّنةٍ لرجُلِها، ولها مجدُ اللهِ، ولن يدخُلَها شيءٌ دنسٌ ولا ما يصنَعُ رجِساً وكذِباً، إلاّ المكتوب في سفرِ حياةِ الخروفِ، له المجد إلى الأبد. آمين.

AddToAny