مراجعة لكتاب "الإنسان في الكتاب المقدّس"

الموضوع:
العدد:
السنة:

بعد ما نراه من مجازر فظيعة تُرتكَب بحقّ الإنسان ونسمع به من أخبار عن حروب شرسة أجبرت الكثيرين من المسيحيّين على الهجرة، نتساءل: أهذا هو الإنسان؟ وهل يُعقل ما يعمله في حقّ الإنسانيّة؟ لا بدّ، للإجابة على هذه الأسئلة، من استعراض كتاب "الإنسان في الكتاب المقدّس" للدّكتور القسّيس إدكار طرابلسي.

هذا هو الوقت المناسب لنتذكّر كيف يصوّر الله الإنسان من دون أن نسمح لوسائل الإعلام والأحداث الرّاهنة أن تحدّد من هو. كما أنّه الوقت المناسب لنرى لماذا يزداد الشّرّ في العالم. ساعَدَني هذا الكتاب، إلى جانب الكتاب المقدّس، في أن أرى الإنسان بحسب قصد الله. وهنا أتيت على ذكر بعض الأمور الّتي أثّرت فيّ ودفعتني إلى الكتابة عنها.

أوّلاً، لا بدّ من أن أذكر أنّ "الإنسان في الكتاب المقدّس" هو أوّل كتاب للدّكتور إدكار طرابلسي يعالج فيه موضوع البشريّة في أصلها ومصيرها وهدفها في الكتاب المقدّس. فالكتاب ملخّص لعدّة علوم؛ علم اللاّهوت والأنثروبولوجيا (علم الإنسان) والكريستولوجيا (علم المسيح) والهامارتولوجيا (عقيدة الخطيّة) والسوتيريولوجيا (عقيدة الخلاص) والإكليسيولوجيا (علم الكنيسة). كما يطرح الكاتب مفاهيم كتابيّة وآراء غير كتابيّة ويقارن بينهما، كما يناقش أيضاً أساطير قديمة. هذا الكتاب هو في الواقع كتاب أنثروبولوجي كتابي بامتياز.

ثانيًا، يُظهر الكتاب كيف أنّ الأنثروبولوجيا هي المساهم الأوّل في دراسة طبيعة الله. ويقارن الكاتب بين الأنثروبولوجيا غير الكتابيّة والأنثروبولوجيا الكتابيّة. في الأولى، الإنسان هو محور وفخر اكتشافاته؛ بينما في الثّانية، الله الخالق هو المحور الأساسيّ والإنسان هو المخلوق والكائن المحدود المتواضع.

ثالثًا، خلق الله الإنسان لأنّ "الإنسان هو تاج خليقة الله". إنّ خلق الإنسان هو عمليّة فريدة من نوعها. فهو الكائن الوحيد الّذي خُلِق على شبه الله: "وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا" (تك 1: 26). هذه حقيقة مهمّة لا يفهمها العلمانيّون ولا يقبلونها كما أنّهم يهاجموننا بها.

رابعًا، كيف ولماذا كوّن الله الإنسان؟ لنفهم الإنسان، يأخذنا الكاتب إلى قصّة الخلق الكتابيّة ويُظهرها كالقصّة الوحيدة المنطقيّة القابلة للتصديق. ويتحدّث عن الطّريقة المباشرة لخلق الإنسان بالمقارنة مع الخليقة الأخرى حيث كان الرّبّ يأمر بوجود الشّيء فيكون. فالله كوّن الإنسان من التّراب ونفخ في أنفه نسمة الحياة (تك 2: 7) وخلقه إنسانًا ناضجًا لديه مسؤوليّات لإتمامها كالإعتناء بالأرض وتسمية الحيوانات (تك 2: 15، 19). كما حمّله مسؤوليّة ألاّ يأكل من"شجرة معرفة الخير والشّرّ" (تك 2: 17). وأعطاه أيضًا معينًا، وهي حوّاء، قائلاً "ليس جيّدًا أن يكون آدم وحده، فأصنع له معينًا نظيره" (تك 2: 18).

خامسًا، يُظهر الكاتب كيف أنّ الإنسان يتميّز عن باقي الخليقة. فهو خُلِق على صورة الله. فكما أنّ الله هو مثلّث الأقانيم (آب وابن وروح قدس) هكذا الإنسان هو مثلّث التركيب: روح ونفس وجسد، ويدعم القسّيس طرابلسي رأيه هذا بأغنية مريم العذراء في لوقا 1: 46 – 47، وما ذكره الرّسول بولس في 1 تسالونيكي 5: 23.

   سادسًا، إنّ الهدف من خلق الإنسان هو السّؤال الّذي حيّر كثيرين. هل خُلِقنا لنأكل ولنشرب ولنتزوّج ولنعمل ولنحارب ولنمجد أنفسنا؟ يؤكّد في صفحات الكتاب أنّ الهدف من خلق الإنسان هو تمجيد الله من خلال العبادة والعمل والحياة. يقول أشعياء "بكلّ من دُعِيَ باسمي ولمجدي خلقته وجبلته وخلقته" (43: 7).

سابعًا، لقد سقط هذا الإنسان في عصيان الله. ويشرح الكاتب في شكل شامل معنى السّقوط ونتائجه الثّلاثية الأبعاد وهي: فساد على الصّعيد الشّخصي، وفساد العلاقة بين الله والإنسان، وفساد العلاقات البشريّة. ولأنّ الله يريد خلاص الإنسان أرسل ابنه ليموت عنه.

وأرى، بعد قراءتي الفصل الأخير من الكتاب، أنّ الأنثروبولوجيا غير الكتابيّة والآراء البشريّة الشّعبيّة الّتي تنمو وتتغلغل في مختلف مجالات الحياة  وحتّى في بعض الكنائس حيث الإنسان هو المحور الأساسيّ، كالحركة الجديدة المدعوّة بـــ "صحّة وثروة وازدهار"، تَرتكب مجازر روحيّة من خلال عدم إعطاء الحقائق الكتابيّة كاملة. لربّما ذهبتُ بعيدًا في مقارنتي بين قتل الإنسان جسديًّا وقتله روحيًّا، ولكنّ كليهما من نتائج الخطيّة وسقوط الإنسان.

بالعودة إلى الكتاب، فهو يتميّز بلغّة سلسة وكلّ فصل فيه ينتهي بخاتمة، وتُستخدَم الآيات الكتابيّة بطريقة ملائمة. وهناك تفسير للكلمات الأجنبيّة كالعبريّة واليونانيّة. لقد حثّني هذا الكتاب على دراسة سفر التّكوين. وأنا الآن أنصح بقراءته كما أودّ قراءته مرّة أخرى قريبًا.