مركزيّة المسيح في الإيمان المسيحيّ

الموضوع:
العدد:
السنة:

لقد كان شاول الطّرسوسيّ يهوديّاً متعصّباً يُقاوم المسيحيّين، ظنّاً منه أنّه يخدم الله في ذلك، لكنّه عرف فيما بعد أنّه بعمله الجاهل هذا قد اضّطهد المسيح نفسه.  وهو لم يتخلّص من جهله إلاّ عندما ظهر له المسيح وفتح عينيه ليرى الحقيقة.  يومها سأل شاول (فيما بعد صار اسمه بولس) المسيح أهمّ سؤالَين يسألهما كلّ مُخلِص، وحولهما تتمحور الدّيانة المسيحيّة كلّها: "مَنْ أنتَ يا سيّد؟" و "يا ربّ ماذا تُريد أن أَفعَل؟" (أعمال 9: 5-6).  وفي الإجابة عن هذين السّؤالين، يُظهر لنا الكتاب المقدّس أنّ المسيح هو محور الدّيانة المسيحيّة، وأنّه علينا أن نكون له بشكل تامّ.  قد تُثير هذه المقولة إعجاب بعضهم، إلاّ أنّ مَنْ يدرس الكتاب المقدّس يَرَ أنّ هذه الحقيقة راسخة وقويّة جدّاً فيه، وذلك للأسباب التّالية:

المسيح هو الله الخالق

لم يكن بولس يعرف بالتّمام مَنْ هو يسوع، ولكن عند ظهوره له، سأله: "مَنْ أنتَ يا سيّد؟".  ومن الجيّد أن يعرف كلّ إنسان مَن هو يسوع، لذا ترانا نسأل: مَن هو يسوع؟  والكتاب المقدّس يُجيبنا قائلاً:

- المسيح هو إعلان الله:  صرخ سقراط في القديم: "ليت أحداً ما، إنساناً كان أم إلهاً، يقوم بيننا ويُرينا الله"،  كما أنّ زرادشت قال: "الله لن يُعرَف حتّى يَظهَرَ بالجسد".  أمّا الوحي المقدّس فيقول إنّ المسيح هو الله الكلمة الّذي ظهر في الجسد وأعلن ذاته لتلاميذه فآمنوا به (يوحنّا 1: 1 و14؛ 1 تيموثاوس 3: 16).  وهو يعترف من خلال عهدَيه أنّ المسيح هو "الإله القدير" (إشعياء 9: 6)، و"الكائِنُ على الكلِّ إلهاً مُبارَكاً إلى الأَبَد" (رومية 9: 5).

- المسيح هو أصل كلّ وجود ومبدؤه:  يقول العهد الجديد إنّ المسيح موجود "قَبلَ الأَزمِنَةِ الأزَلِيَّة"       (2 تيموثاوس 1: 9)، وقبل كلّ الأنبياء: "قبلَ أنْ يكونَ إبراهيم أنا كائِن" (يوحنّا 8: 58)، وإنّ "كلَّ شيءٍ بهِ كانَ وبغيرِهِ لم يَكُن شيءٌ ممّا كان" (يوحنّا1: 3)، "فإنّه فيهِ خُلِقَ الكًُلّ ما في السَّماواتِ وما على الأَرضِ ما يُرى وما لا يُرى ... الكلُّ بِهِ ولهُ قد خُلِق. الّذي هوَ قبلَ كلِّ شيءٍ وفيهِ يَقومُ الكلّ" (كولوسي1: 16-17). 

- المسيح هو سيّد الوجود:  ولأنّه الخالق له سُلطان على الطّبيعة؛ فأمواج البحر تُطيعه، والرّياح أيضاً، وكذلك سمك البحر فيُوجِّهه، كما حصل عندما أعطى بطرس السّمكة ذات الدّينار ليدفع الجزية.  وله سُلطان على الأرواح الشّرّيرة فيُحرِّر المسكونين، وعلى المرَضِ فيشفي العُمي وسائِر المرضَى، وعلى الحياة فيُقيم الموتى، وعلى الأحياء فيتدخّل في حياتهم كما فعل مع آدم عندما تبعه صارخاً: "آدم، أينَ أنتَ؟" (تكوين  3: 9)، وها هو يتدخّل في حياة بولس عندما ناداهُ: "شاول شاول" (أعمال 9: 4). 

- المسيح هو الله مع شعبه:  وهو الوحيد الموجود مع شعبه في كلّ مكان وكلّ زمان.  يَعِد المؤمنين به "ها أنا مَعَكُم كلَّ الأيّامِ إلى انقِضاءِ الدَّهرِ" (متّى 28: 20).  وهو يملأ كنيسته، "الّتي هيَ جسَدُهُ مِلءُ الّذي يَملأ الكلّ في الكلّ" (أفسس 1: 23)، بحضوره وبروحه.  يقول "جون والفورد": "إنْ كان المسيح هو الله، فهو حاضر في كلّ مكان، وإن كان حاضراً في كلّ مكان، فهو الله إذاً".

المسيح هو المخلِّص الوحيد

لقد دُعيَ المسيح "يسوع" "لأنّه يُخلّص شعبه من خطاياهم" (متّى 1: 21)، فهو قد جاء لكي يطلب ويُخلّص ما قد هلك.  وهو وحده يستحقّ لقب "المخلِّص" لأنّه الوحيد القادر على أن يُخلِّص إلى التّمام جميع الّذين يتقدّمون به إلى الله.  قال يسوع عن نفسه: "أنا هو البابُ.  إنْ دَخَل بي أحدٌ فيَخلُصُ ويَدخُل ويَخرُج ويَجِدُ مرعىً" (يوحنّا 10: 9).  وها هو يُعلن ذاته لبولس، الخروف الضالّ، ليُخلّصه، وبولس يتجاوب مع دعوته ويختبر خلاصه ويشهد: "صادِقَةٌ هي الكَلِمَة ومُستَحِقّةٌ كلّ قُبول: أنَّ المسيحَ يسوعَ جاءَ إلى العالَم ليُخلِّص الخُطاة الّذينَ أوَّلُهم أنا" (1تيموثاوس1: 15).  أمّا بطرس الرّسول فقد قال عن المسيح: "وليسَ بأحَدٍ غَيرِهِ الخلاص. لأنْ ليسَ اِسمٌ آخرُ تَحتَ السَّماء، قد أُعطِيَ بينَ النّاس بهِ يَنبَغي أنْ نَخلُص" (أعمال4: 12)، و "لَهُ يَشهَدُ جَميعُ الأَنبياءِ أنَّ كلَّ مَنْ يُؤمِنُ بهِ يَنالُ باِسمِهِ غُفرانَ الخَطايا" (أعمال 10: 43).  لقد اتُّهِمت "جان دارك" بأنّها ساحرة، وعندما أُحرِقَت على العمود صَرخَت: "يسوع، يسوع، يسوع ..." وماتت.  لقد عرفت أنّ يسوع وحده هو الّذي يُدخلها إلى السّماء.  يدعو المسيح جميع النّاس: "التَفِتوا إليَّ واخلُصوا يا جَميعَ أقاصي الأَرض.  لأنّي أنا الله وليسَ آخر" (إشعياء 45: 22-23).

المسيح هو الرّبّ الوحيد

لم يدعُ بولس المسيح "ربّاً" من باب الاحترام وحسب، بل اعترف به كالسيّد الفعليّ على حياته.  وهذا هو مقام المسيح الحقيقيّ، فهو الرّبّ الأعلى من الأنبياء، كما يقول عنه داود: "ربّي" (مزمور 110: 1)، وهو الرّبّ "سيّدُ السَّماءِ والأرض" (مرقس 14: 62).  إن كان يسوع هو الرّبّ، فعلى الكنيسة أن تعترف به ربّاً وحيداً، وأن تقود النّفوس إليه.  وهي لا تقدر على الاعتراف بغيره ربّاً، إذ لنا "إِلهٌ واحِدٌ الآبُ الَّذي مِنهُ جَميعُ الأَشياءِ ونَحنُ لهُ. ورَبٌّ واحِدٌ يَسوعُ المسيحُ الّذي بهِ جميعُ الأشياءِ ونحنُ بهِ" (1 كورنثوس 8: 6). كذلك، على كلّ لسان أن يعترف بأنّ يسوع المسيح هو "ربٌّ لمِجدِ الله الآبِ" (فيلبّي 2: 11).  هذا ما فعله بولس عندما قال: "ماذا تُريد أن أَفعلَ يا ربّ؟".  وهذا يُعلّمنا أنّ يسوع هو الرّبّ الّذي يجب أن يخضع له الإنسان.  هو السّيّد، والإنسان هو العبد، وليس العكس.  لقد دعاه توما عندما آمن به: "رَبّي وإِلهي" (يوحنّا 20: 28)، ويوحنّا في سفر الرّؤيا: "رَبَّ الأَربابِ ومَلك الملوك".  إنّه الملك والرّبّ والسّيّد على الكنيسة، وليس غيره سيّداً عليها، وهي لا تخضع إلاّ لسيادته كي لا تُثير غيرته، فهو غيورٌ عليها ويُريدها له وحده لا سواه.  لقد أمضى بولس عمره يُردّد أنّه عبد يسوع المسيح (رومية 1: 1).

يسوع هو المعلّم الصّالح

لقد أراد بولس أن يتعلّم منه، لذلك نراه يقول له: "ماذا تُريد أن أفعلَ يا ربّ؟".  وهو يُصلّي للمؤمنين كي يكونَ لهم روحُ الحِكمَةِ والإعلان في مَعرِفته، ليعلَموا ما هو رجاءُ دَعوته وما هو غِنى مجدِ مِيراثه في القدّيسين، وما هي عظمة قدرته الفائقة نحو المؤمنين (أفسس 1: 17-19).

ليس المسيح أحد المُعلّمين في الأرض بل هو "المعلّم"، وهو ليس نبيّاً بين الأنبياء بل "هو أعظم من سليمان" (متّى 12: 42).  لذلك قالت العذراء عنه: "مهما قالَ لَكُم فافعَلوه" (يوحنّا 2: 5).  وقال الله الآب من فوق: "هَذا هوَ اِبني الوَحيد الّذي بهِ سُرِرْت، لهُ اسمَعوا" (متّى 17: 5).  قال نيقوديموس للمسيح: "أنتَ أتيتَ مِنَ الله مُعلِّماً" (يوحنّا 3: 2).  لكنّ الحقّ يُقال، إنّ المسيح كان أكثر من ذلك، هو الله الّذي أتى إلينا معلِّماً.

تحتاج الكنيسة إلى التّعليم الإلهيّ لتعرف كيف تنتظم وتسير وتخدم وتتقدّم.  ففي العالم أصوات عديدة ومعلّمون عديدون، منهم من هو جيّد وقريب من الحقّ، ومنهم من هو باطل وغشّاش، فهُم بشر، والبشر يشوبهم الضّعف والخطأ.  أمّا يسوع فهو مُعلّم الكنيسة الأفضل، لأنّه يعرف كلّ شيء (يوحنّا 16: 30)، "المُذَّخَر فيهِ جَميعُ كُنوزِ الحِكمَةِ والعِلم" (كولوسي 2: 3).  وهو لا يُخطئ في تعليمه، بلْ يعرف ما هو الأفضل لتلاميذه.  كما أنّ لا أحد يقدر أن يأخذ دوره، لأنّ الجميع بشر ويُخطئون.  أمّا كلامه فحقّ وروح وحياة، وحقّه سلطان.  إن أحبّه أحد حَفِظَ كلامه، تطبيقاً لوصيّته القائلة: "إنْ كُنتُم تُحِبّونَني فاحْفَظوا وصاياي" (يوحنّا 14: 15 و21).  إنّه رئيس الإيمان ومكمّله، وما علينا إلاّ أن نكون ناظرين إليه (عبرانيّين 12: 2).  هو مَنْ أبدأ إيمان الكنيسة وهو الّذي يُكمّله، وعلى الكنيسة أن تنظر إليه دون سواه.  يُوصي الرّسول بطرس: "لهُ تَسمَعون في كلِّ ما يُكَلِّمكم بِه" (أعمال  3: 22).  وأمّا مَنْ لا يُطِع كلامه ويعمل به يُدَن بحسب كلامه في اليوم الأخير (يوحنّا 12: 48).

المسيح هو رأس الكنيسة الوحيد

- هو مؤسِّسها وبانيها.  هو مَنْ قال: "أَبني كَنيستي" (متّى 16: 18)، وهو صخرتها وحجر الأساس فيها كما قال بطرس (1 بطرس 2: 5-10).  وهي مُلكه وحده دون سواه، اشتراها بدمه لتكون له، هي "كَنيسةُ الله الّتي اقتَناها بِدَمِه" (أعمال 20: 28). 

- هو رأسها وسيّدها وهي جسده.  "وإيّاهُ جَعلَ رَأساً فَوقَ كلِّ شيءٍ لِلكَنيسةِ، الّتي هي جَسَدُهُ مِلءُ الَّذي يَملأُ الكُلَّ بِالكُلِّ" (أفسس 1: 22 و 23).  "إنّه الرّأس المسيح" (أفسس 4: 15؛ كو 1: 18).  وإنْ كانَ هو مخلّص الجسد، أي الكنيسة ورأسها، فهي تخضع له (أفسس 5: 23-24)، وهو يُرافقها كلّ الأيّام    (متّى 28: 20).     

- هو في وسطها دوماً يسهر عليها (رؤيا 1: 17-18).  تُعرَف الكنيسة الحقيقيّة بتمسّكها بالمسيح دون سواه.  ففيما يبتعد كثيرون عنه، يُصرّح المؤمن الحقيقيّ مع بطرس: "يا رَبّ، إلى مَنْ نَذهَب؟ كَلامُ الحياةِ الأَبَديّة عِندَكَ.  ونَحنُ قد آمَنّا وعَرَفنا أنَّكَ أنتَ المسيحُ اِبنُ الله الحَيّ" (يوحنّا 6: 68، 69).  المؤمنون الحقيقيّون يتمسّكون بالمسيح ولا يرضون معه شريكاً ولا مُساوياً ولا بَديلاً. 

المسيح هو الشّفيع الوحيد

قال يسوع عن نفسه: "أنا هوَ الطَّريقُ والحقُّ والحياة، ليسَ أحدٌ يأتي إلى الآب إلاّ بي" (يوحنّا 14: 6).  عرفت الكنيسة هذه الحقيقة، ومن البداية طلبت شفاعته دون غيره.  فهو من قال لتلاميذه: "مَهما سَأَلتُم باِسمي فذَلِك أَفعَلُه لِيتَمَجَّدَ الآبَ بالاِبن.  إنْ سأَلتُم شَيئاً باِسمي فإنّي أَفعَلُه" (يوحنّا 14: 13-14).  المسيح هو الشّفيع الوحيد بين الله والنّاس، لأنّه إله وإنسان في آن، كما قال الرّسول بولس: "لأنّهُ يُوجَدُ إِلهٌ واحِدٌ ووَسيطٌ واحِدٌ بينَ الله والنّاس، الإِنسان يسوع المسيح" (1 تيموثاوس 2: 5).  وهو "الآن" وسيط العهد الجديد (عبرانيّين 8: 6)، والقادر على "أن يُخلِّصَ إلى التَّمام الَّذينَ يَتَقدَّمونَ بهِ إلى الله، إذْ هوَ حيٌّ في كلِّ حينٍ لِيَشفَعَ فيهم" (عبرانيّين 7: 25).  وهو "يَظهَرُ الآنَ أمامَ وجهِ الله لأجْلِنا" (عبرانيّين 9: 24)، يُعزّينا ويُقوّينا ويُشدِّدنا.  فبولس قد تمتّع برفقة المسيح له، منذ أن اختبره مخلّصاً لحياته، وعندما تركه الجميع قال: "الجميعُ تَرَكوني لكنّ الرّبَّ وَقَف معي وقَوّاني" (2 تيموثاوس 4: 16-17).  لهذا كان يأتي بولس إلى الله بيسوع المسيح ويعبده بروحه مُتضَرِّعاً له بصلواته (رومية 1: 8 – 9).

المسيح هو المعبود الوحيد

إنّه المعبود الوحيد، لذلك تعبده كنيسة المخلَّصين وتُصلّي له، وتُخاطبه ولا تُخاطب غيره، وهذا ما فعله بولس الرّسول: "يا ربّ ماذا تُريد أن أفعل؟" (أعمال 9: 6).  إنّ الكنيسة تُكرِّمه، وتَسجد له، وتَخدمه، وتحبّه من كلّ القلب والقوّة والفكر.  وهي لا تتوجّه بالطِّلبة إلى غيره، ولا تنظر إلى سواه.  عندما اقترح بطرس أن يُقيم ثلاثة هياكل، واحد لموسى وواحد للمسيح وواحد لإيليّا، جاءهُ الصّوت من الآب: "هذا هو اِبني الوَحيد، له اسمَعوا، ونظروا وإذ بيسوع وحده" (متّى 17: 5). 

أمّا يسوع، فقد وَعَد مَنْ يَخدِمه بأن يُكرِمه الآب (يوحنّا 12: 26)، وهو الّذي قال "فتَدْعونَني وتَذهَبونَ وتُصَلّونَ إليَّ فأَسمَعُ لَكُم.  وتَطْلُبونَني فَتَجِدونَني إذْ تَطْلُبونَني بِكلِّ قُلوبِكُم" (إرميا 29: 12،13).  المجوس عبدوا المسيح (متّى 2: 11)، واستفانوس عبده وصلّى له: "أيّها الرّبّ اقبَلْ روحي ... يا رَبّ لا تُقِم لهم هذه الخطيئة" (أعمال 8: 59-60)، وتوما سَجَد له مُعترِفاً به: "ربّي وإلهي" (يوحنّا 20: 28). 

كلّ الكنيسة تسجد له، حيث نقرأ في إنجيل لوقا 24: 51-52، عن يوم الصّعود: "وأَخرَجَهُم خارِجاً إلى بَيتِ عَنيا.  ورَفَعَ يَدَيهِ وبارَكَهُم.  وفيما هوَ يُبارِكُهُم، انفَرَدَ عَنهُم وأُصْعِدَ إلى السَّماءِ فسَجَدوا له، ورَجِعوا إلى أورشَليمَ بَفَرَحٍ عَظيمٍ.  وكانوا كُلَّ حينٍ في الهيكَلِ يُسَبِّحونَ ويُبارِكونَ الله".  أمّا في السّماء، فالملائكة حول العرش والشّيوخ يُرنِّمون بصوت عظيم: "مُستَحِقٌّ هوَ الخروفُ المَذبوحُ أنْ يَأخُذَ القُدرَةَ والغِنَى والحِكمَةَ والقوَّةَ والكَرامَةَ والمَجدَ والبَركَةَ، وكلّ خليقَةٍ ممّا في السّماءِ وعلى الأَرضِ وتَحتَ الأَرضِ وما على البَحر، كلُّ ما فيها سَمِعتُها قائِلةً: للجالِسِ على العَرشِ ولِلخَروفِ البَركَةُ والكَرامَةُ والمَجدُ والسُّلطانُ إلى أَبدِ الآبدين." (رؤيا 5: 11-13).

المسيح هو الدّيّان الوحيد

قليلون يعلمون أنّ المسيح الّذي جاء في الجسد مُخلِّصاً منذ ما يزيد عن ألفَي عام، سيأتي مرّة ثانية ليَدينَ الأحياء والأموات.  نعم، المسيح هو الدّيّان الوحيد في اليوم الأخير، وذلك للأسباب التّالية: 

إنّه مُعطي الحياة للنّاس.  "فيهِ كانتِ الحياةُ والحياةُ كانت نورَ النّاس" (يوحنّا 1: 4)، لذلك يحقّ له أن يَدينَ النّاس.  يقول الرّبّ يسوع: "لأنَّه كما أنَّ الآبَ لهُ حَياةٌ في ذاتهِ، كَذَلِك أَعطى الاِبنَ أيضاً أنْ تَكونَ لهُ حَياةٌ في ذاتهِ.  وأَعطاهُ سُلطاناً أنْ يَدينَ أيضاً لأنَّه اِبنُ الإِنسان.  لا تَتَعجَّبوا من هذا.  فإِنَّه تأتي ساعَةٌ فيها يَسمَعُ جَميعُ الَّذينَ في القُبورِ صَوتَهُ.  فيَخرُجُ الَّذينَ فَعَلوا الصّالِحاتِ إلى قِيامَةِ الحياةِ، والَّذينَ عَمِلوا السّيِّئاتِ إلى قِيامَةِ الدَّينونَة… ودَينونَتي عادِلَةٌ" (يوحنّا 5: 26-30).

إنّه ديّان الأبديّة.  فهو سيأتي بمجدٍ كبير مع ملائكتهِ "وحينئذٍ يُجازي كلّ واحدٍ حسب عملهِ"   (متّى 16: 27).  وستكون الدّينونة حسب موقف النّاس من إنجيله (رومية 2: 15-16).  ومَنْ لم يقبل المسيح مُخلِّصاً، ومَنْ لم يعِش له في حياته سيرفضه المسيح يوم الدّينونة، حتّى وإن كان مُتدَيِّناً وصاحب أعمال صالحة.  قد يظنّ بعضهم أنّ هذا تصريح سلبيّ، لكنّه إنذار من "الدّيّان" نفسه، إذ يؤكّد: "ليسَ كلُّ مَنْ يَقولُ لي: يا رَبّ يا رَبّ، يَدخُلُ مَلَكوتَ السَّماوات.  بَلِ الّذي يَفعَلُ إِرادَةَ أبي الّذي في السَّماوات.  كَثيرونَ سَيقولونَ لي في ذَلِكَ اليَوم: يا ربُّ، يا ربُّ، ألَيسَ باِسمِكَ تَنبَّأنا وباِسمِكَ أَخْرَجْنا شَياطينَ وباِسمِكَ صَنَعْنا قوّاتٍ كَثيرَةٍ، فَحينَئِذٍ أُصرِّحُ لهم: إنّي لمْ أَعرِفْكُم قَطُّ.  اذهَبوا عنّي يا فاعِلي الإِثْم" (متّى 7: 21-23).

إنّه رئيس الأبديّة.  المسيح "أبو الأبديّة" (إشعياء 9: 6)، لذلك يحقّ له أن يدين العالم.  فالدّينونة ترتبط بالّذي يُمسِك الزّمن من طرَفَيه، وفي يده آجال النّاس، وله السّلطان على المدينة السّماويّة.  يقول المسيح: "وها أنا آتي سَريعاً وأُجرَتي مَعي لأُجازِيَ كُلَّ واحِدٍ كما يَكونُ عَمَلُه.  أنا الأَلِفُ والياء.  البِدايَةُ والنِّهايَة.  الأَوَّلُ والآخِر.  طوبَى للّذينَ يَصنَعونَ وَصاياه لِكَي يَكونَ سُلطانُهُم على شَجَرةِ الحياةِ، ويَدخُلوا من الأبوابِ إلى المدينَةِ.  لأنَّ خارِجاً الكِلابَ والسَّحرَةَ والزُّناةَ والقَتَلةَ وعَبَدةَ الأوثانِ، وكلُّ مَنْ يُحِبُّ ويَصنَعُ كَذِباً" (رؤيا 22: 12-15).  يا لسعادة من آمنَ بالمسيح وسلّمه حياته، فهو يحظى بالحياة الأبديّة معه.  قال أحدهم: "لا نعرف ما يُخبّئ لنا المستقبل، لكن نعرف الّذي يُمسك به، فهو صاحب الأيادي المثقوبة الّذي معه أمرَنا".

مَنْ هو المسيح بالنّسبة إليك؟

نعود إلى سؤالَيْ بولس عندما ظهر له المسيح على طريق دمشق: "مَنْ أنتَ يا سيّد؟" و "يا ربّ ماذا تُريد أن أفعَل؟" (أعمال 9: 5-6).  فنرى أنّ السّؤالَين مرتبط واحدهما بالآخر، لأنّ مَنْ يعرف يسوع على حقيقته لا يستطيع إلاّ الارتباط به والخضوع له.  فالمسيح ليس بأحد الأنبياء أو مُجرّد مؤسِّس للدّيانة المسيحيّة، بل هو الله الخالق، والمخلِّص الوحيد، والرّبّ الوحيد، والمُعلّم الصّالح، ورأس الكنيسة الوحيد، والشّفيع الوحيد، والمعبود الوحيد، والدّيّان الوحيد.  إذاً، فالمسيح هو محور الإيمان المسيحيّ، والإنسان مدعوّ إلى الإيمان به والالتزام بأن يحيا بموجب تعاليمه.  لقد عرف شاول الطّرسوسيّ أنّ يسوع النّاصريّ هو "الرّبّ"، فآمنَ به وخصّص حياته له.  لقد تغلّب بولس على مشاعر الكراهيّة الّتي كان يكنّها لأتباع يسوع، ووقعت القشور الّتي كانت تُعمي بصيرته، وسقط تعصبّه الدّينيّ ضدّ "ألوهيّة المسيح"، وذلك عندما ظهر له المسيح وأعلن له ذاته.  منذ تلك اللّحظة صار بولس إنساناً جديداً، قدّيساً، "يحيا ويتحرّك ويُوجَد" في المسيح (أعمال 17: 28).  وهذا ما يحصل مع جميع الّذين يتعرّفون إلى المسيح ويؤمنون به.  لقد غيّر المسيح حياة الملايين عبر التّاريخ. 

ويبقى السّؤال: من هو المسيح بالنّسبة إليك؟  ما هو موقفك منه؟  هل تقبله اليوم من كلّ قلبك، وتحيا له من كلّ قوّتك؟  قد تكون، وقبل قراءتك هذه المقالة، واحداً من الّذين يجهلون مَنْ هو المسيح.  أمّا الآن، وبعد أن عرفتَ الكثير الكثير عنه، فأنتَ مدعوّ إلى الإيمان به كما هو بالحقّ، والاعتراف به ربّاً ومُخلِّصاً، وتسليمه حياتك بالتّمام.  "مَنْ أنتَ يا رَبّ؟" سؤال ليس من دون إجابة طالما أنّ المسيح قد أعلن ذاته للبشر.  يبقى علينا أن نُحدّد ما إذا كنّا نُريد الإيمان به والعيش له.  قُبيل الحملة الاِنتخابيّة الأميركيّة عام 1939، قال "فرنكلين روزفلت": "هناك قضيّة واحدة اليوم، وهي أنا، وعلى النّاس أن يُقرّروا، إمّا أن يكونوا معي أو ضدّي!"  وهذا الأمر ينطبق على علاقتنا بالمسيح، فإمّا أن نكون معه أو ضدّه.  قال يسوع: "مَنْ ليسَ معي فَهوَ ضِدّي" (لو 11: 23).  عزيزي القارئ، أنتَ مع مَنْ تُريد أن تكون؟

AddToAny