مزامير اللّعنة

الموضوع:
العدد:
السنة:

يحتوي بعض المزامير في الكتاب المقدّس، (55، 59، 69، 79، 109، 137)، على دعوات إلى الله كي يسكب غضبه على أعدائه. وقد لُقِّبت هذه المزامير بـِ"مزامير اللّعنة" أو "مزامير العدل" Imprecatory Psalms، لأنّها تحتوي على صلوات لمعاقبة الأشرار. كثيرون هم الّذين ينزعجون من قراءة صلوات كهذه: "لِيُمحَوا من سِفرِ الأحياء، ومعَ الصِّدّيقينَ لا يُكتَبوا" (مزمور 69: 28)، "لِتَكُن أيّامُه قَليلَة، ووَظيفَتُه ليأخُذْها آخَر" (109: 8)، و"أحَبَّ اللَّعنَةَ فأَتَتْه" (109: 17). 

إنّ دعوات كهذه، جعلت بعض المؤمنين يتساءلون عن مدى أهميّة هذه الصّلوات لمؤمني العهد الجديد.  وبعضهم الآخر يرى أنّ هذه الصّلوات تتعارض مع تعليم الرّبّ يسوع المسيح عن محبّة الأعداء، والمسامحة، وإظهار الرّحمة، والتّبشير؛ ويحاول إخفاء المعنى الحقيقيّ لكلمات المرنّم. ويظنّ هؤلاء أنّ داود كان في حالة عقليّة دنيويّة عندما كتب المزمور 109، ويعزو "كيتِل" كتابة المزمور إلى "حالة نفسيّة جسديّة غير معذورة". وقد ذهب بعضهم إلى القول إنّ هذه المزامير ناقصة، أو فيها خلل أو عيب، وغير موحى بها، وغير مفيدة لأولاد الله؛ بل إنّ الكلمات والتّعابير المستخدَمَة فيها هي فقط شِعريّة ورمزيّة، ويجب ألاّ تُؤخذ بشكل حرفيّ؛ وإنّ هذه الصّلوات، كما في المزمور 109، تناسب أناسًا عاشوا في عهد النّاموس قبل المسيح، وليس في عصر النّعمة في العهد الجديد، والّذين يجب أن يحبّوا أعداءهم.

إنّ اعتبار هذه الصّلوات والدّعوات في العهد القديم وحشيّة وغير مسيحيّة أمر خاطئ وغير جائز، وإنّ حججًا كهذه هي محاولة عقيمة في جعل شخصيّة الله أكثر قبولاً لدى غير المؤمنين. فقليلون يعرفون أنّ العهد الجديد الّذي يدعو إلى المحبّة يتضمّن أيضًا دعوات مُشابهة ضدّ المُناقضين (متّى 23: 32-36؛ غلاطية 1: 8-9 و 5: 12). وهو، كـَ"مزامير اللّعنة"، يُظهِر أنّ المؤمن لا ينتقم لنفسه بل يعتمد على عدالة الله لتنصفه (رومية 12: 19)، لذلك على الكنيسة المعاصرة أن تقرأها وتفهمها وتُصلّيها. ويجب على المؤمنين أن يتذكّروا أنّهم عندما يُصلّون لمجيء المسيح ثانية فإنّهم في الواقع يُصلّون لمجيء الدّيّان العادل لينتقم من الّذين "لا يعرفون الله والّذين لا يُطيعون إنجيل ربِّنا يسوع المسيح" (2 تسالونيكي 1: 8). 

وحده البّار يستطيع أن يُصلّي هذه المزامير

ولئلاّ يُساء استخدام هذه المزامير من قبل أشخاص تملأ قلوبهم الكراهية والأحقاد، لا بُدّ من التذكير بأنّ داود، كاتب المزمور 109، كان رجلاً محبًّا وحنونًا، و"بحسب قلب الله". وهو عندما اضطهده الملك شاول وسعى لقتله، لم يُقابل عمل الشرّ بالشّرّ، بل سلّم أمره لله إذ هو تألّم، ليس بسبب خطيّته، بل لأجل البِرّ. وفي الواقع لا يستطيع أحد أن يتوسّل إلى الله بأن يحكم بالعدل ويقتصّ من أعدائه، كما تجرّأ داود في هذا المزمور، إلاّ إذا كان بارًّا وبحسب قلب الله كما كان داود. علينا أيضًا أن نتذكّر أنّ المرنِّم كتب هذه الصّلوات بوَحيٍ من روح الله، وهي تحتوي على تطبيق نموذجيّ: فداود في هذا المزمور يرمز إلى المسيح الّذي خانه يهوذا وجعله يتألّم كثيرًا. وفي هذه الصّلوات يطلب داود عدالة الله المطلقة، وسخطه ضدّ الخطيّة، ورحمته ونعمته على الضعيف في آن. إنّ تدخّل الرّبّ ضدّ أعدائه يؤكّد للمؤمن أنّ الله عادل ورحوم في آن، فيتشدّد بإلهه ويتعزّى ويفرح به (26، 27).

سبب نفورنا من هذه المزامير

إنّ السّبب الّذي يجعلنا ننفر من هذه المزامير، هو نظرتنا المشوّهة إلى الله بسبب خطايانا؛ فنحن نحبّ أن ننظر إليه على أنّه إله المحبّة والرّحمة، وليس إله العدل والدّينونة. وهناك بعض الأشخاص الّذين لا يَعظون إلاّ بما يدور حول محبّة الله ولطفه فقط، فينسى السّامعون أنّه أيضًا إله الغضب والدّينونة. وهكذا يُقلّلون من أهميّة عدالة الله وغضبه بينما يُمجّدون محبّته، فيضربون عقيدة الفداء الثّمين الّذي دفعه المسيح على الصّليب ليتحمّل عدالة الله نيابة عن الخطاة، ويقنعون أنفسهم بأنّ الله لن يُعاقبهم على خطاياهم. ما يجب أن يوقنه النّاس هو أنّ الله يُسامِح حقًّا، ولكنّه أيضًا يُعاقِب. فعندما تُرتكب جريمة شنيعة، يطلب المجتمع من السّلطات اتّخاذ أقسى التّدابير في حقّ المجرم لينال عقابه الّذي يستحقّه. فهل هذا الأمر يختلف عمّا أعلنه داود في المزمور 109: 15، عندما طلب إلى الله القدّوس والعادل، في صلاته، أن يمحو ذكر الأشرار من الأرض بسبب اضطهادهم للمسكين والفقير؟ وهل من غير اللاّئق الطّلب إلى الله معاقبة المجرمين والقتلة الّذين يذبحون الأبرياء؟ لقد أدرك داود أنّ صلاته كانت إلى الله القدّوس الّذي يُعاقب الخطيّة.  إنّ تجاهلنا لمزامير اللّعنة أو نكراننا لها يجعلنا نقع في خطر الانحراف نحو تفكير عاطفيّ وغير متوازن تجاه الله.

الهدف من مزامير اللّعنة

مَن يقرأ هذه المزامير يعرف أنّ داود آمن بعدالة الله والتزم بها (مزمور 139: 21-22)؛ وهو لم يُصَلِّها بسبب حقده الشّخصيّ أو عدم محبّته أو انتقامًا لنفسه، بل بسبب غيرته على الله ومملكته وبِرّه. ونحن أيضًا عندما نصلّي: "لِيأتِ ملكوتك"، فإنّنا في الواقع نصلّي أن تُتمّم أحكام الله العادلة على الأرض. لم تكن الصّلوات في مزامير اللّعنة لأيّ سبب شخصيّ (حقد أو ضغينة أو كراهية)، بل لأنّ المرنّم أراد أن يمجِّد الله، ويُبرهِن للجميع أنّه كلّيّ السّلطان، فيعرف النّاس في جميع أقاصي الأرض أنّ الله هو الّذي يحكم بين النّاس (مزمور 59: 13).

يجب أن تشكِّل هذه المزامير جزءًا من العبادة لدى أولاد الله، فهي تراث لهم. لقد رنّمها قدّيسو العهد القديم، كما رنّمها وقرأها قدّيسو الكنيسة الأولى، وكذلك فعل المُصلِحون الإنجيليّون. والآن جاء دورنا نحن، فإنّ مملكة الله لا تزال في حالة حرب، ونحن في حاجة إلى هذه المزامير أكثر من أيّ وقت مضى. إنّ الصّلاة والإيمان هما سلاح الكنيسة الّتي تغلب العالم المُعادي لله ولها.

هل تُستجاب هذه المزامير؟

أنْ نعرف أنّ مشاعر الرّسول بولس تجاه الأشرار لم تختلف عن مشاعر داود النبيّ أمر يُساعدنا. فهو أحبّ إخوته وأنسباءه اليهود الّذين اضطهدوه وطلب إليهم الخلاص (رومية 9: 1-3)، ولكنّه في الوقت عينه قال "ليكُن أناثيما" (ملعونًا) كلّ مَن أتى بتعليم آخر يُناقِض تعليم الرّسل والرّبّ يسوع المسيح (غلاطية 1: 8-9)، وتمنّى أن يرتدّ عمل الشرّ على الّذين يُقلِقون المؤمنين (غلاطية 5: 12).

إنّ هذه الصّلوات سوف تُستجاب وتتحقّق يومًا ما. ففي رؤيا 6: 9-10، نقرأ عن أنفس الّذين قُتلوا من أجل كلمة الله أنّهم يصرخون إلى الرّبّ كي يقضي لهم وينتقم من مُضطهديهم الّذين قتلوهم. وفي رؤيا 19، نرى جموع القدّيسين ترنّم وتُسبّح الله لأجل فدائه، وحكمه بالعدل وعقابه أعداءه وأعداء كنيسته. وبينما تفرح كنيسة الله اليوم وتُسرّ بتسبيحها الله لأجل نعمته ولطفه ومحبّته للخطاة بفدائه لهم، فإنّ الكنيسة المنتصرة سوف تفرح أيضًا بالتّرنيم للقضاء على أعداء الله وأهل بيته. إذًا، يجب ألاّ نخجل بهذه المزامير الخالدة والمعصومة؛ لقد أعطاها الله لكنيسته سلاحًا لأوقات الشّرّ.