مـن شريعـة الدينونـة الـى شرعـة المحبة

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

كلمة المحامي ناجي عودة في حفل توقيع كتاب "المسيح الأعظم"

غريب أمره! وديع، متواضع، حنون، محبّ. ثائر، كبير، قاس، غاضب. تبتعد عنه، فلا يبتعد هو. بل يبقى على لهفة اللقاء ينتظر عودتك وبطنك فارغ حتى من خرنوب الخنازير. يأخذك اليه، لا يُسائلك، فعودتك كفايته. ثار على التقاليد البالية والعادات النتنة. حاور على البئر بكلمة الحياة، من كانوا يحسبونه خصمًا. أحرج حامل الحجر، فارتعدت يده عن الرجم إذ تذكّر أنّه خاطىء. تواضع حتى غسل الأرجل. خدم ولم يرد أن يُخَدم. سامح حتى منكريه. بارك حتّى لاعنيه. غفر حتى لقاتليه. ومع ذلك انتفض بقساوة على تجار الهيكل لانه الغاضب متى طاول القِيَم اعتداء. أعطى  الانسان قيمته، فجعله فوق السبت وفوق الناموس ودعاه الى الخلاص بالايمان. هو الفادي ولا شريك له. هو الشفيع لدى الرب ولا شفيع إلاّه. هو المخلص ولا خلاص إلاّ به. هو المسيح الأعظم!

وعنه وحوله نلتقي في خريف الأشهر، وقد استحال الليلة ربيعًا ورديًّا مع مسيح إله، مع قسّيس وكتاب، هو آخر عنقود من كرمته، ولن يكون الأخير. فكنانته خازنة، وشوقنا الى مزيدٍ نغرف معه منها ما يهبه لنا الروح. والكتاب كتاب معرفة استوى على ركائزها الثلاثة، حريّة وحقيقة ولغة، فتربع على عرشها. وعرّفنا بالمسيح بعد أن كنّا نعرف عنه. والكتاب كتاب ريادة، قصد مؤلّفه الينابيع واستلهم وحيَ الرّوح الحيّ، فطاف بمضمونه نواحي المسيح الاله مفنِّدًا ومفسرًا وشارحًا وموثقًا حتى خرج من بين يديه كالمزن يهطل الغيث على أرض عطشى لمعرفة أعمق عن الذي كان "الكلمة الله".

وسرحتُ بين مواضعيه، أنهل منها المعرفة. وصرت كمن يستقي الكوثر فيزداد عطشًا إليها. واستوقفني، كمُحامٍ، فصل "المسيح المشترع" فسبرت غوره وخرجت بلؤلؤات لن أتبصّر بها مطولاً احترامًا للدقائق التي أُعطيناها للكلام.

هل الرب مشترع، أي ناطق مباشر بحرفية شريعة، لا نجد لاجل ذلك الى تأويلها سبيلاً ولا الى تعديلها بديلاً؟ نعم الرّب هو مشترع ولكن من حيث كونه مصدر الشريعة الأساسي، والموحي بمضمونها. وبعد الوصايا، وبدءًا بموسى، استلهم الآباء الأقدمون هذا الوحي الالهي ووضعوا ناموس العهد القديم وأرسوا أحكامه على الشعب، بعد أن أعطوه طابعًا قدسيًّا سهّل نسبته المباشرة الى الرب. لكنّهم وقعوا في حرفيّة تطبيقه وماديّته. فابتعدوا وابعدوا الناس عن روحيّته، مكتفين من قدسيّة الصوم بعبس الوجوه ومن عمق الصلاة بارتفاع الصوت ومن سمو العطاء بالتباهي، وباتوا كالقبور المكلّسة.

فكان لا بد من يد تدحرج حجرها وتعيد الى الانسان المكانة التي أُعطيها من الله خالقه، أي انسان حــرّ يستوحي من القِيَم الالهيّة ما يشترعه في الزمان والمكان ويطوّره ويستبدله باستمرار. وكان المسيح الاله، تلك اليد المباركة. فقاوم بعنف التقاليد الخاطئة التي كان يتمسّك بها الكتبـة والفـــريسيّون. فتجاوز حرفيّة النص ودخل روحيّته وأدخل الانسان بها كي يصل به الى الكمال الروحيّ. فكان مُصلحًا ومُكمّلاً ومفسرًا ومعدّلاً وليس هدامًا. وهو بذلك، كان المعلّم الالهي الذي يُرسي المبادىء الاساسيـّة لشريعة حياة تبقى الى الزمن، ركيزتها الاولى هي المحبّة، من دون الحاجة الى الدخول في التفصيل بالتشريع. وبارسائه تلك المبادىء الاساسيّة، التي هي شرعة ملكوت الله، ترك للانسان أن يبني عليها شرائع تتوافق مع أوضاعه وأن يطوّرها بالاحتكام دائمًا الى تلك الأسس الخالدة، وبحريّة أبناء الله.

وهكذا وضَعَني يسوع تحت شرعة المحبة لا تحت شريعة الدينونة وبها تساوى معي فتأنسن. وبتأنسنه، رفعني اليه بعد أن أعطاني ذاته وديعة حبّ. ومن طبيعة الحبّ أن المـُحِب يعرِض ولا يفرِض. وهو على الجبل، عرض عليّ الوداعة والنقاوة والرحمة وفعل السلام واحتمال الاضطهاد والتعيير، وترك لي أن أجتهد أنا، كيف أكون وديعًا، نقيّ القلب، رحومًا، متحمّلاً الاضطهاد والتعييـر مـن أجـل اسمه.

غير أنّ معرفة المسيح تبقى اختباراً شخصيًّا لا تحدّه دفتان ولا تسعه قراطيس. فلكلّ منّا معه حكاية ودعوة. أدركني وخمسينات عمري على حبوها، فكانت لي منه دعوة خفّفت عنّي ظلامة حتّمت علي قضاء فترة، موقوفًا بين مظلومين ومرتكبين. وما جرمي سوى حرية التعبير عن الرأي. كان لي منه صوت دعاني للسير معه. فسرت بمعرفة على خلاف العماوسيّين. بهرني شخصه. استحوذني، بعد أن صارني هو "بالنَعَم" العظيمة التي قالتها المريم للملاك. وعظمة نعَمُها أنّ مريم بها، قد تخلّت طوعًا عن قول "اللا".

تعلّقت به وقد وضع نفسه بخدمتي "تعالَ الي وأنا أريحك". أخجلتني شفافيّته إذ دعاني اليه وقد كان ببالي أنّه سوف يدينني، فاذا بي أدين أعمالي بنفسي فاقترب منه أو أبتعد خجلاً. عرفته وقد نقلني في العهد الجديد، الى حالة البلوغ التي صار الله معها أبًا معلنًا ذاته بابنه الذي هو نفسه المرسِل والمرسَل والرسالة، وصرت، وقد آمنت به، فبأبيه آمنت.

عرفته حين ثار على المعادلة أن الفعل بحسب الشريعة يستوجب العقاب، فعلمَّني أن الفعل إن تبعته توبة استحق الغفران. نعم هكذا عرفته.

غريبٌ أمره؟ لا، بل غريب أمري أنا، إن كنت لا أحبّه، هو الذي أحبّني حتى الصلب. وإذ اعتلى الصليب سيّده، إحلولى الصليب. وبعد أن كان علامة إذلال وموت وهلاك صار علامة افتخار وحياة وخلاص. نعــم! إنّه هو المسيح الأعظم الذي لو شئت الكلام عنه لاستوقفني المسك في ختام انجيل يوحنا: "أشياء أخَر كثيرة صنعها يسوع إن كُتبت واحدة فواحدة، فلست أظن أنّ العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة".

فيا عزيزي القسّيس ادكار. من لُجينِ الخمس والعشرين لرفقة العمر مع قطرة "الندى"، كان هذا الكتاب. فما المنتظر من تبر الخمسين؟ كرمتك معطاء. ويدُ كرّامها سخيّة. فلا تبخل علينا بعصيرها.