ملء الأزمنة

الموضوع:
العدد:
السنة:

هذه العبارة تظهر مرّتين في العهد الجديد: في غلاطية 4: 4، و أفسس 1: 10.  وهذان العددان يشملان عمل الله الفدائي الكامل في تاريخ الخلاص المُقدّس. 

فغلاطية 4: 4 تُشير إلى المرحلة الّتي سبقت المسيح.  "ولكِنْ لمّا جاءَ مِلءُ الزّمانِ، أرسَلَ اللهُ ابنَهُ مَولوداً مِنِ امرأةٍ، مَولوداً تحتَ النّاموسِ".  قبل مَولد المسيح، انتظرت إسرائيل مجيء المسيّا قروناً طويلة.  جاء السّبي، وبعده العودة إلى أورشليم، وسقوط فارس واليونان وظهور روما.  وفي كلّ هذه الحقبات تساءل اليهود: أين هو الفداء؟  لماذا ما زالت إسرائيل تئنّ؟  فبعضهم انتظر المخلّص السّياسيّ، وبعضهم القليل الآخر انتظر مجيء المخلّص الرّوحي.  لكنّ انتظارهم ظهور الفادي قد طال في كلّ الأحوال. 

يستخدم بولس هذه العبارة: "في ملء الزّمان" بمعناها الحرفيّ، أي عندما "نضج الزّمان" – كنضوج الولد في أيّام البلوغ – وصل إلى مرحلة النّضوج الّتي يودّ الله أن يتحرّك فيها.  ما الّذي حصل في تلك الأيّام ليتكلّم بولس على "ملء الزّمان"؟  لقد تضافرت عدّة عناصر مهّدت لمجيء المسيح، وبعده لامتداد بشارة الإنجيل، منها: (1) انتشار اللّغة والحضارة اليونانيّتين؛   (2) سيادة السّلام الرّوماني ووصول الطّرق إلى كافّة أنحاء الإمبراطوريّة؛ (3) وجود المجامع اليهوديّة الّتي علّمت عن الإله الواحد حول البحر الأبيض المتوسّط.   

نرى، في تزامن هذه العناصر، أنّ الله يُسيطر على الزّمان، فلا يحصل أيّ أمر صدفةً، بل يعمل الله من خلال التّاريخ ويُسيطر عليه.  وهكذا كان الوقت مُكتمِلاً، والعالم جاهِزاً لمجيء الرّبّ يسوع المسيح.  أمّا أوّل مناداة للمسيح فتؤيّد هذا الرّأي: "قد كَمَلَ الزّمانُ واقترَبَ مَلَكوتُ اللهِ، فتُوبوا وآمِنوا بالإِنجيلِ" (مرقس 1: 15).

أمّا في أفسس 1: 10، فالرّسول بولس ينظر في هذه الآية، إلى الأمام - فيقول: "لِتَدبيرِ مِلءِ الأزمِنَةِ ، ليَجمَعَ كُلَّ شَيءٍ في المسيحِ".  نرى في عبارة "ملء الأزمنة" (بحسب القرينة، أي أفسس 1: 7 – 10) هنا، أنّ بولس يَعي تاريخيّة الفداء المُتمَّم على الصّليب، كما يؤمن أنّ للفداء مفاعيل مستمرّة في حياة النّاس الّذين يُغيّرهم، لكنّه يُعلِن أنّ المستقبل ما زال يخفي مُخطّطاً إلهيّاً حافلاً للمؤمنين.  (أنظر رومية 16: 25 وأفسس 3: 4 – 5 وكولوسي 1: 26).

لا يخلق هذا المستقبل فشلاً وقلقاً واضطراباً في أنفس المؤمنين، بل يُنشئ فيهم إيماناً بأنّ الله يعمل أعمالاً مُسِرَّة ضمن أوقات يُحدّدها هو، وما عليهم إلاّ أن يثقوا بأنّ المسيح سيَظهَر ثانيةً سيّداً على كلّ شيء، وذلك عند "ملء الزّمان أو اكتماله أو نضوجه".  هنا لا بُدَّ من بعض الأسئلة: هل يرى القارئ عقارب السّاعة تسير بسرعة نحو لحظة ظهور المسيح ثانيةً للّذين ينتظرونه؟  هل يرى الزّمان الحالي ينضج ويكتمل ويسير نحو نهايته عند استعلان المسيح مَلِكاً وربّاً؟ هل يترقّب بشوق تلك اللحظات المجيدة؟ يومها يكون لجماعة المُخلَّصين مجد لا يُقاس، وحريّة فريدة، وفداء أجسادهم، واستعلان بنويّتهم (اقرأ رومية 8: 18 –25). 

هل لك هذا الرّجاء؟  أو تحيا كئيباً حزيناً كمن ينتظر حُكم الإعدام من دون أيّ أمل بالحياة أو بالنّجاة؟

AddToAny