ميّزات التّوبة الحقيقيّة

العدد:
السنة:

(المزمور 51)

كلّنا يمرّ في لحظات نتمنّى فيها لو تعود بنا السّاعة إلى الوراء لتفادي خطايا ارتكبناها، أو إصلاح ما سبق وخرّبناه في لحظات غضب.  فالنّبيّ داود، الّذي ارتكب خطايا شنيعة يرتكبها كلّ إنسان، (كالزّنى، والقتل، والكذب)، والّتي حطّمت قلبه، أدرك شناعة عملِه وأراد بإخلاص أن يتوب إلى الله وأن يبدأ من جديد.  المزمور الواحد والخمسون هو صلاة، يُعبّر فيها داود عن توبة حقيقيّة نتعلّم منها كيف نُصحّح مواقفنا مع الرّبّ بعد أن نكون قد أخطأنا إليه.  وقد تميّزت توبة داود بـِ:

انكسار قلبيّ كامل.  قال داود للرّبّ: "القَلبُ المُنكَسَرُ والمُنسَحِقُ يا الله لا تَحْتَقِرُه" (مز 51: 17 ب).  بالحقيقة، لا شيء أثمن في نظر الله من القلب المنكسر لأنّه يُشير إلى ندامةٍ وتوبةٍ أصيلَتَين.  لقد تذلّل الملك داود أمام إلهه، والله لم يحتقر توبته كما لا يحتقر أبداً أيّ قلب ينكسر أمامه.  عند التّوبة ينكسر الإنسان الخاطي أمام إلهه ولا يبقى متشامخ الرّوح، الأمر الّذي لا يفيده إطلاقاً.  كذلك تميّزت توبة داود بِـ:

إدراك إهانة الله.  أدرك داود أنّ خطيّته لم تكن أمراً خاصّاً به، بل كانت ضدّ الله.  يقول للرّبّ: "إِليكَ وحدَكَ أَخْطأْتُ" (مز 51: 4).  على الرّغم من أنّ داود قد ارتكب خطيّته بالسّرّ وليلاً، إلاّ أنّها كانت خطيّة فظيعة لم يقدر أن يخفيها عن عينَي الله العالِم بكلّ شيء.  لقد اعترف داود أنّ خطيّته عمل شنيع يُهين الله القدّوس.  ليت كلّ إنسان يرى حقيقة خطيّته ويُدرك أنّها موجّهة ضدّ الله أوّلاً.  كذلك تميّزت توبة داود بِـ:

اعتراف علنيّ بالخطيّة.  اعترف داود بصدق إلى الرّبّ: "والشّرَّ قُدّامَ عَينَيْكَ صَنَعْتُ" (مز 51: 4 ب).  نرى في هذا الاعتراف أحد أهمّ مستلزمات التّوبة الحقيقيّة، ألا وهي الاعتراف العلنيّ بالخطيّة إلى الرّبّ وعدم إخفاء الأمر عنه.  لقد كانت الخطايا تُعذِّب ضمير داود وروحه، فما كان منه إلاّ وأن اعترف بها كاملة.  علينا كخطاة أن نقول مع داود: "قُلتُ أَعتَرِفُ للرَّبِّ بِخَطِيّتي" (مز 32: 5).  كذلك تميّزت توبة داود بِـ:

ثقة في برّ الله.  لقد كان داود مؤمناً بصدق كلمة الله ووعوده لبني البشر، فعبّر له عن ثقته بالقول: "لِكَي تَتَبرَّرَ بأقوالِكَ" (مز 51: 4 ج).  لقد آمن داود بأنّه إن عاد إلى الرّبّ فسوف ينال الغفران والتّبرير من جديد، من إلهٍ إن وَعَدَ وفى، وإن عاد إليه الخاطي برَّره، لأنّه بارّ ويُبرّر التّائب العائد إليه بإيمان.  ونرى في هذه العبارة أنّ داود كان يُعظمّ برّ الله ويهتف به في الوقت نفسه الّذي كان يتوب فيه.  كذلك رافقت توبة داود:

استعادة بهجة الخلاص.  لقد تمرمرت حياة داود بسبب الخطيّة، فصار بأمسّ الحاجة إلى التّعزية الّتي كانت له عندما كان يعيش منتصراً روحيّاً وأخلاقيّاً.  فصرخ إلى الرّبّ عند توبته واعترافه بخطاياه: "رُدَّ لي بَهجَةَ خَلاصِكَ، وبِروحٍ مُنتَدِبَةٍ اُعضُدني" (مز 51: 12).  وبالفعل، لقد حَيَت روحه من جديد عند مصالحته مع إلهه.  هذا الفرح يُرينا كم كان داود مُتأكّداً من اختباره الخلاص ونواله غفران الخطايا من إلهه. 

التّوبة هي أمر إلهيّ يتردّد عبر صفحات الكتاب المقدّس في العهدَين: القديم والجديد.  يقول بولس الرّسول: "الله الآنَ يأمُرُ جَميعَ النّاسِ في كُلِّ مَكانٍ أنْ يَتوبُوا، مُتَغاضِياً عَن أَزْمِنَةِ الجَهْلِ" (أع 17: 30).  والتّوبة هي الباب الوحيد للدّخول إلى حظيرة الله حيث الرّحمة والغفران.  لكن، لاختبار الغفران الكامل، لا بدّ من توبة حقيقيّة كتوبة داود الّتي تميّزت بقلب منكسر يُدرك بشاعة الخطيّة ويعترف بها، متيقّناً أنّ الله يُبرّر التّائب الّذي يعتمد عليه لينال منه الغفران الكامل والسّعادة الملازمة له.  لو أراد شخص ما أن يتوب عن خطاياه لوجد في المزمور الواحد والخمسين لداود أفضل تعبير عن توبته إلى الرّبّ. 

 

المزمور الحادي والخمسون

صلاة توبة لداود بعدما وبّخه النبي ناثان لزناه مع بثشبع

"ارحمني يا اللهُ حسَبَ رحمتِكَ.  حسَبَ كثرةِ رأفتِكَ امحُ معاصيَّ.  اغسلني كثيراً من إثمي، ومن خطيَّتي طهِّرني.  لأنّي عارفٌ بمعاصيَّ، وخطيّتي أمامي دائماً.  إليكَ وحدَكَ أخطأتُ، والشرَّ قُدّامَ عينيكَ صنعتُ، لكيْ تتبرّرَ في أقوالِكَ، وتزكو في قضائكَ.  هأنذا بالإثمِ صُوِّرتُ وبالخطيةِ حبِلَت بي أمّي.  ها قدْ سُرِرتُ بالحقِّ، ففي السّريرةِ تُعرّفني حِكمةً.  طهّرني بالزوفا فأطهُرَ.  اغسلني فأبيضَّ أكثرَ من الثّلجِ.  أسمعني سروراً وفرحاً، فتبتهِجَ عظامٌ سحقتَها.  استُرْ وجهَكَ عن خطايايَ، وامحُ كُلَّ آثامي.  قلباً نقيِّاً أُخلُقْ فيَّ يا اللهُ وروحاً مُستقيماً جدّد في داخلي.  لا تطرحني من قُدّامَ وجهِكَ، وروحَكَ القدوسَ لا تنزِعْهُ منّي.  رُدَّ   لي بهجةَ خلاصِكَ، وبروحٍ مُنتدبةٍ اعضُدني ... ذبائحُ اللهِ هيَ روحٌ مُنكسرةٌ.  القلبُ المُنكسِرُ والمُنسحِقُ يا اللهُ لا تحتَقِرَهُ" (1-13 و 17).